متاحف الشرق الأوسط منصات حوار جذابة
خلال العصر الحديث، كانت المتاحف معروفة بمهمة محددة هي جمع المقتنيات وتصنيفها، وتحديد ما يُعد مهماً منها. وعلى مدار السنين استمدت متاحف عدة مثل اللوفر والمتحف البريطاني ومتحف المتروبوليتان للفنون سلطتها من مقتنياتها المتراكمة لتصبح سرديتها شبيهة بالحقيقة، ليتلقاها الزائر في اتجاه واحد.
لكن انخراط الشرق الأوسط في هذا المسار - وإن جاء متأخراً - قد غيّر من المعادلة، وجعلها - بحسب اعتقادي - في صالحنا إلى حدّ بعيد. لم ترث المتاحف الأكثر طموحاً في المنطقة نموذج اللوفر، إذ شُيّدت في عصر الهواتف الذكية، وتدفّقات المحتوى الخوارزمية، والنماذج التوليدية؛ ولهذا، أحجمت بهدوء عن تقمّص دور نظيراتها الأقدم. فلم تفرض سلطتها على الزوار بل اقتربت من الحوار معهم، لأن دورهم تجاوز التلقّي وأصبح أحياناً جزءاً من الجدلية نفسها.
وإذا ما واتتك الفرصة لقضاء ساعة داخل متحف مجلس الإعلام في الدوحة، فستلاحظ شيئاً لافتاً في طريقة تصميم معارضه. فالمتحف لا يطلب منك التسليم لما يطرحه، بل يترك لك العنان لتناقش ما يقدّمه لزواره. كان ذلك أول انطباع تكوَّن لديّ عندما بدأت العمل في المتحف.

ففي أحدث معارضه، كان مصطلح "مستقبلية الخليج" الذي صكّته الفنانة القطرية صوفيا المارية قبل أكثر من عقد هو المنطلق لوصف تجربة النشأة في منطقة يتقاسم فيها غواصو اللؤلؤ ومشغّلو الأقمار الاصطناعية ذاكرة ثقافية واحدة. وفي المعرض، اجتمع أكثر من عشرين فناناً من الخليج متخذين من الملح عنصراً مجازياً محورياً، لما يحمله من دلالات تتجلى في مختلف مراحل علاقة شبه الجزيرة العربية بذاتها، متخذاً من طبقات الغلاف الجوي إطاراً تنظيمياً له، فارتقى بالزائر من عالم ثقافة مراكز التسوق في التروبوسفير إلى فضاء الثرموسفير الموشّى بالأقمار الاصطناعية. لكنّه لم يسعَ إلى تقديم تصور محدّد لمستقبل الخليج. وهذا هو ما يستحق التوقف عنده.
خلال عقد واحد تقريباً، قطعت متاحف المنطقة شوطاً مختلفاً تماماً عن المألوف. فمتحف قطر الوطني، الذي صمّمه جان نوفيل، مستلهماً وردة الصحراء التي ارتبطت بالشيخ سعود، لا يقدّم سرداً تاريخياً متسلسلاً بقدر ما يوفّر تجربة غامرة تتداخل فيها العروض البصرية والصوتية والعمارة؛ تجربة تدعو الزائر إلى معايشة قصة وطنية والشعور بها بدلاً من حفظها لتشكل تجربة تُسهم في الحوار غير مكتفية بسرد الرواية التاريخية.
أما متحف اللوفر أبوظبي، فتجسّد قبته التي يتخللها الضوء في أنماط متراقصة رؤية ترفض بهدوء التراتبية الحضارية التي طالما افترضها نظيره الباريسي. فهنا يقف تمثال لبوذا إلى جانب أيقونة للسيدة العذراء، من دون أن يحتلّ أيٌّ منها موقع الصدارة.

هذا هو الأثر الحقيقي الذي أحدثته تقنيات المعلومات والاتصال الحديثة في متاحف المنطقة. فالمؤسسة المتحفية التي تنطلق من بيئة رقمية لا تحتاج إلى التظاهر بأنها تتحدث بصوت واحد. فهي قادرة على الترجمة؛ فيقدّم متحف مجلس الإعلام جميع شروحاته باللغتين، كما صُمِّمت النصوص التفسيرية في متحف قطر الوطني بطريقة تجعل قراءتها ممكنة في كلا الاتجاهين. وهي قادرة أيضاً على إفساح المجال لوجهات نظر متعددة.
إن ذلك ليس وليد الصدفة، بل هو استجابة مباشرة لما تقتضيه الحالة الثقافية في المنطقة. وهذا تحديداً ما يمنح متاحف الشرق الأوسط طابعها المتفرّد. فالشرق الأوسط لا يمتلك سلطة مؤسسية واحدة تتحدث باسمه، وقد كفّ أخيراً عن التصرف وكأنه بحاجة إلى مثل هذه السلطة. فكلّ من قطر والإمارات والسعودية تعمل على بلورة رؤيتها المتحفية الخاصة. وتُعدّ التكنولوجيا العامل الذي يجعل هذه التعددية قابلة للتمثّل والإدراك. فالمبنى المشيّد من الحجر قادر على أداء أدوار كثيرة، لكنه لا يستطيع أن يحتضن ألف رواية مختلفة في آنٍ واحد. أما الأرشيف الرقميّ فيستطيع ذلك، كما يمكن للتجارب التفاعلية عرض التناقضات من دون أن تضطر إلى حسمها.
في عالم اليوم، يواجه قطاع المتاحف عالمياً أزمة مشروعيّة تتكشف ملامحها ببطء، من الجدل المتصاعد حول استرداد المقتنيات، إلى تراجع الثقة بالمؤسسات، وصولاً إلى انهيار فكرة "الصوت المحايد" الذي طالما ادّعت المتاحف تمثيله.

وفي خضم هذا المشهد، يخوض الشرق الأوسط ما قد يكون إحدى أكثر التجارب حيوية وإثارة للاهتمام في عالم المتاحف المعاصر. فلم يعد السؤال ما إذا كانت هذه المؤسسات ستنجح في اكتساب الشرعية وفق المعايير التي وضعها الغرب، بل ما إذا كان الغرب نفسه سيضطر يوماً ما إلى أن يحذو حذوها. وأرى أن ذلك مرجّح، بل إنني أذهب إلى أبعد من ذلك: فالحوار قد انتقل بالفعل إلى مرحلة جديدة، غير أن كثيرين لم يلحظوا هذا التحول بعد.
* شاهنواز زالي هو صانع أفلام مقيم في الدوحة، رُشِّح لجائزة أكاديمية الأوسكار للطلاب، كما أُدرج ضمن قائمة فوربس 30 تحت سن الـ 30. ويشغل حالياً منصب مسؤول التسويق والاتصال والمحتوى الرقمي في متحف مجلس الإعلام التابع لجامعة نورثويسترن في قطر.