عامُه الـ 77... هل يصمد الناتو على حساب علّة وجوده؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

في السياسة، هو أسبوع الأرقام القياسية... والمميّزة.

 

منذ أيام، احتفلت الولايات المتحدة بعيد تأسيسها الـ 250. لديها أقدم دستور مكتوب، وأقدم حزب بارز، وأقدم نظام فيدرالي حول العالم.

 

اليوم الثلاثاء، تستضيف تركيا قمة منظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، والتي تصادف هذه السنة الذكرى الـ 77 لولادتها. بهذا المعيار، يُعدّ الناتو أقدم منظمة عسكرية غربية.

 

الناتو وسخرية القدر

 

قبل ثلاثة أعوام من ولادة الحلف، شهدت الولايات المتحدة ولادة رجل أمكن أن يمثّل "تهديداً كبيراً" للناتو من وجهة النظر الأوروبية: الرئيس الأميركي دونالد ترامب. إنها سخرية القدر. الدولة التي أسست الحلف لحماية أوروبا من التهديد السوفياتي باتت تفرض بعض الخطر على تلك المنظمة. بالمناسبة، ليست المفارقات الأميركية تجاه الناتو قليلة.

 

سنة 2023، قاد السيناتور آنذاك ماركو روبيو الدفع باتجاه سنّ قانون يمنع أي رئيس أميركي مقبل من مغادرة الناتو بدون موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ. لم تكن معرفة من كان يجول في ذهنه صعبة. اليوم، وبعدما أصبح روبيو وزير خارجية ترامب، تبنى بعض طلبات الرئيس الأميركي بحق المنظمة، ولو بشكل أكثر ديبلوماسية.

 

 

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يؤدي اليمين لدى تعيينه في منصبه، 2025. (أ ب)

 

 

ذكّر روبيو الذين ساءلوه على موقفه، من ضمنهم مجلس الشيوخ، بتاريخه الطويل في دعم المنظمة. لكن اللافت الآن، خصوصاً بعد حرب إيران، أن بعض دوله حرمت الولايات المتحدة من استخدام قواعدها خلال القصف كما قال. من جهة ثانية، اعترف روبيو بأن على الدول الأوروبية زيادة إنفاقها الدفاعي مع اضطرارها إلى خفض إنفاقها الاجتماعي، وهو إنفاق لما أمكنها أن تحققه لو لم تحظَ بالمظلّة الأمنية المجانية من واشنطن. وذكّر روبيو أيضاً بأن للولايات المتحدة التزامات أمنية حول العالم وليس فقط في أوروبا، مشيراً إلى أن بلاده تحمي بشكل أساسي قارة بأكملها، وهي ليست قارة فقيرة على أي حال. إذاً، ثمة خيط واضح يجمع معظم تصريحات روبيو: لا تريد الولايات المتحدة، وربما لا تستطيع، تحمّل التزامات بمسار واحد.

 

الناتو وعلّة الوجود

 

ينعكس ذلك سلباً على المادة التي تشكّل "عصب" المنظمة وغاية وجودها، وهي المادة الخامسة التي تنصّ، ولو بشكل لا يخلو تماماً من الالتباس، على الدفاع الجماعي بوجه أي اعتداء يطال أي عضو فيها. بسبب المواقف الأميركية، تتعدّل تلك المادة بشكل ضمني وبطيء. قد يأتي يوم قريب، لا تنظر الولايات المتحدة فيه إلى هجوم أو حرب على دولة أطلسية باعتباره هجوماً على أراضيها، إلا في حال توفر شرط الإنفاق الدفاعي (2 في المئة حالياً و5 في المئة أواسط العقد المقبل) وهو ما أعلنه أصلاً قبل بضعة أسابيع وزير الدفاع بيت هيغسيث. وفي هذا، حققت غالبية الدول الأطلسية العتبة الأولى. أما الشرط الآخر فهو عدم حرمان الدولة المعتدى عليها واشنطن من استخدام قواعدها في مسارح أخرى من العالم.

 

 

لافتة عليها شعار الناتو في أنقرة، 2026. (أ ب)

 

 

من دون ثبات ضمانة المادة الخامسة، يصبح الحلف شكلياً. على الأرجح، هذه المخاوف مبالغ بها في الوقت الحالي. لكنها ليست مجردة من أي أساس. إن اهتمام بولندا بالمظلة النووية لفرنسا، بالرغم من إنفاقها الدفاعي الذي يفوق إنفاق أميركا نفسه على الدفاع قياساً بالناتج المحلي، هو أحد الأمثلة على القلق المستقبلي من السلوك الأميركي.

 

الناتو والسؤال الصعب

 

اجتاز الأوروبيون ويجتازون العقبات بشكل متتالٍ. وضع أوكرانيا العسكري أفضل من قبل، ملفّ غرينلاند، كحرارتها في الشتاء، مجمّد، وفي المحصّلة الأهم، لم يغادر ترامب الناتو بالرغم من كل التحذيرات السابقة في هذا الشأن. يستحق أمين عام الناتو مارك روته إشادة أوروبية ضخمة بسبب إجادته فنّ كيل المدائح لترامب. لكن للمدائح صلاحيتها، وفي جميع الأحوال، محدوديتها. السؤال اليوم، كما كان بالأمس وسيكون في المستقبل، ما إذا كانت سياسة ترامب "الأطلسية" توجّهاً أميركياً عاماً أم مجرّد تفضيل شخصي. دوام هذا السؤال معناه أن الإجابة عليه صعبة. السهل، خصوصاً إذا لم ترد أوروبا المجازفة، هو اعتماد الجواب الأول.   

 

"المشكلة" في كلام روبيو ليست في أنه تكرارٌ لما يقوله ترامب، بل في أنه أكثر إقناعاً مما يقوله.

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية