حادثة ألمانيّة تثير سؤالاً أوروبياً أعمق: القواعد العامة بابٌ للإقصاء والعنصرية؟
في ألمانيا، لم تعد العنصرية المعادية للمسلمين واقعةً عابرة. ففي عام 2025 وثّق تحالف مكافحة رهاب الإسلام والكراهية ضد المسلمين (CLAIM) وقوع 4096 حادثة، بزيادة نسبتها 33 في المئة عن عام 2024 الذي سجّل 3080 حالة، أي بمتوسط يتجاوز أحد عشر اعتداءً يومياً، في جالية تُعدّ الثانية حجماً في أوروبا الغربية بعد فرنسا. وبحسب التقرير نفسه، استأثرت الاعتداءات اللفظية بالنصيب الأكبر (61 في المئة)، فيما شكّلت النساء نحو 64.5 في المئة من مجمل الضحايا الأفراد.
غير أن هذه الأرقام، على فداحتها، بقيت في صفحات التقارير حتى أعادتها إلى الواجهة، في نهاية حزيران/يونيو الجاري، بوابة غير متوقعة تمثلت في مسبح بمدينة هاله الألمانية. فمن هناك طُرح سؤال قديم بإلحاح؛ متى تنقلب القواعد التي تبدو "محايدة" إلى أداة لإقصاء من لا يُنظر إليهم باعتبارهم جزءاً كاملاً من المجتمع؟
بدأت القضية بجدل أثارته سياسة الدخول في منشأة "هايدباد"، حين ربطت السماح بالدخول بإتقان كافٍ للغة الألمانية بذريعة السلامة. غير أن النقاش سرعان ما تجاوز أسوار المسبح إلى أسئلة أوسع عن العلاقة المتشابكة بين اللغة والأصل ولون البشرة والدين والهجرة والانتماء.
في تصريحات خصّ بها "النهار"، يقول مامد محمد، المدير التنفيذي لشبكة منظمات المهاجرين في ولاية ساكسونيا أنهالت، إن ردود فعل المهاجرين على القضية جاءت "متباينة". فكثيرون يدركون أن السلامة في المسابح العامة يجب أن تأتي أولاً، وأن المشغّلين بحاجة إلى قواعد واضحة لحماية الزوار. لكن في المقابل، تساءل كثيرون من ذوي الخلفيات المهاجرة: هل اشتراط إتقان اللغة هو حقاً الأداة المناسبة لبلوغ هذا الهدف؟
ويرى محمد أن الخوف لا ينبع من القاعدة بحد ذاتها، بل من الرسالة التي تحملها. فمن يواجهون أصلاً حواجز لغوية يخشون أن يُترجم ضعف إتقانهم الألمانية تلقائياً إلى عزوف عن اتباع القواعد أو رفض للاندماج. وهنا لا تعود اللغة مجرد وسيلة تواصل، بل تنقلب إلى علامة اجتماعية تفصل بين "من ينتمي" و"من لا ينتمي". ويتحفظ محمد على وصف الحالة الفردية بأنها عنصرية صريحة، لكنه يأبى عزلها عن سياقها الأوسع، فكثيرون يمرّون بمواقف تتحكم فيها اللغة أو المظهر أو الاسم أو الأصل بالطريقة التي يُنظر بها إليهم.
ما تقوله الأرقام الأوروبية
وهذا التقاطع بين اللغة والأصل والدين ولون البشرة لا يقتصر على شرق ألمانيا. فوكالة الحقوق الأساسية في الاتحاد الأوروبي (FRA) توضح لـ"النهار" أنها تجمع منذ أكثر من خمسة عشر عاماً بيانات قابلة للمقارنة عن العنصرية والتمييز، وتفيد أحدث بياناتها بأن التمييز ما زال واقعاً مستمراً لمجموعات عدة، من بينها المسلمون والأشخاص من أصول أفريقية واليهود وجماعات الروما (المعروفون شعبياً بـ"الغجر").
وبحسب الوكالة، يكشف تقرير "أن تكون مسلماً في الاتحاد الأوروبي" لعام 2024 و"أن تكون أسود في الاتحاد الأوروبي" لعام 2023، أن نحو نصف المسلمين (47 في المئة) والأشخاص من أصول أفريقية (45 في المئة) تعرّضوا لتمييز عنصري خلال السنوات الخمس السابقة للمسح؛ وهو تمييز لا يعود إلى الدين أو لون البشرة وحدهما، بل أيضاً إلى الأصل الإثني أو الخلفية المهاجرة.
وتتجلى هذه التجارب في تفاصيل الحياة اليومية، إذ واجه نحو ثلث المسلمين والأشخاص من أصول أفريقية تمييزاً عند البحث عن عمل أو داخل أماكن عملهم، بينما يرى نصفهم تقريباً أن آخر توقيف لهم من الشرطة كان بدافع التنميط العرقي.
وتبدو الفئات الشابة الأكثر عرضة لذلك؛ فقد تجاوزت نسب من تعرّضوا للعنصرية بين 16 و24 عاماً ما سُجّل لدى الأكبر سناً. وتواجه النساء المسلمات اللواتي يرتدين لباساً دينياً تمييزاً أشد. ومع ذلك، لا يُبلّغ عن أغلب الوقائع إلى السلطات؛ فلم يُبلّغ سوى 6 في المئة من المسلمين و9 في المئة من الأشخاص من أصول أفريقية عن حوادث التمييز، بفعل انعدام الثقة، أو الخوف من العواقب، أو الجهل بالجهة التي يمكن اللجوء إليها.

النيّة شيء... والأثر شيء آخر
وفي ساكسونيا أنهالت، تلقّى مكتب مكافحة التمييز شكاوى عديدة بشأن سياسة "هايدباد". وفي تقييم اطلعت عليه "النهار"، رأى المكتب أن اشتراط الألمانية تحت عنوان السلامة يمكن أن يُقرأ، من منظور العلوم الاجتماعية، باعتباره تمييزاً عنصرياً وتمييزاً ضد ذوي الإعاقة، لأنه يُقصي مجموعات بأكملها على نحو تعميمي، محذراً من خطر إعادة إنتاج العنصرية البنيوية وفق معايير كالمظهر أو الأصل أو اللكنة.
فجوهر المشكلة، بحسبه، لا يكمن في النيّة المعلنة فحسب، بل في الأثر الناتج؛ فحتى لو كانت الغاية السلامة، تظل الممارسة إقصائية ما دامت ثمة بدائل أقل ضرراً، كاللافتات المتعددة اللغات، والرموز المصورة، ورموز الاستجابة السريعة (QR) لتعليمات مترجمة، أو موظفين يتواصلون بعدة لغات.
أما الخلاصة عند مامد محمد، فهي أن الأمر ليس اختياراً بين أن نحمي الناس وأن نرحب بهم؛ فبالإمكان تحقيق الأمرين معاً. فالقواعد الجيدة، كما يقول، ينبغي أن تقول للأطفال والعائلات واللاجئين والمقيمين: "أنتم تنتمون إلى هنا، وسنعينكم على فهم القواعد"، لا "لستم موضع ترحيب حتى تتقنوا اللغة بما يكفي". هكذا تكشف قضية محلية في مسبح ألماني عن سؤال أوروبي أعمق؛ كيف نحمي الناس من دون أن تنقلب قواعد السلامة نفسها باباً جديداً للإقصاء؟