أعطاب الإصلاح الضريبي ومحنة المرتفقين: عندما يدفع المواطن ثمن “الانفصام الإداري”!

من المفترض في فلسفة التشريع الحديث أن يأتي أي إصلاح إداري أو جبائي لتسهيل حياة المواطن، وتقليص المساطر، وتجسير الهوة بين المرتفق والإدارة. لكن القراءة الميدانية لتنزيل مقتضيات القانون رقم 07.20 المتعلق بالجبايات المحلية في المغرب، تكشف عن بون شاسع بين النوايا النظرية للمشرع والواقع العبثي الذي يصطدم به المواطن اليوم في دهاليز الإدارات المالية. واقعٌ أقل ما يقال عنه إنه يجسد “انفصاماً مسطرياً” غير مبرر.

تأملوا معي هذا المشهد السريالي المقلق: يتوجه المواطن، بكل مواطنة ومسؤولية، لتأدية ما بذمته من “رسم السكن والخدمات الجماعية“، فيفاجأ بأن المديرية العامة للضرائب تفتح صناديقها لاستخلاص مستحقات سنة 2026 حصراً، وتغلق الباب أمام ما قبلها. وبكثير من البرود الإداري، يتم توجيهه نحو مصالح الخزينة العامة للمملكة لتسوية وضعية السنوات الماضية.

هذا الوضع يطرح سؤالا جوهريا وحارقا حول مفهوم “النجاعة الإدارية” وشعارات “الرقمنة” الفضفاضة: كيف يمكن لمؤسستين ماليتين تقعان تحت وصاية وزارة واحدة (وزارة الاقتصاد والمالية) أن تعجزا عن تنسيق جباية رسم واحد؟ وكيف يُعقل أن يُجبر المرتفق على اللعب كـ“ساعي بريد” بين مصلحتين، حاملا وثائق وإبراءات ذمة من هنا ليثبتها هناك، في هدر صارخ للزمن والمجهود؟ إن تحديث الإدارة الجبائية لا يعني أبدا نقل العبء التنظيمي والتقني من كاهل الدولة إلى كاهل المواطن المرهق أصلاً.

الخطورة هنا لا تكمن فقط في التعقيد المسطري، بل في عطب التنسيق الميداني الذي يهدد حقوق المرتفقين ويفتح الباب للأخطاء والتداخل في تحديد الديون الجبائية للعقارات. إنها محنة حقيقية للمواطن تنبؤ بفشل الإستراتيجية التواصلية لهذا الإصلاح.

ولتجاوز هذا النفق المسدود وتخفيف وطأة هذه المحنة، بات من المستعجل على صناع القرار الجبائي تجاوز العناد الإداري وتبني بدائل وحلول عملية وفورية:

الدمج الرقمي الشامل (بوابة موحدة): توحيد المنصات الإلكترونية للمديرية العامة للضرائب (DGI) والخزينة العامة للمملكة (TGR) في واجهة رقمية واحدة. يلج إليها المواطن برقم عقاره ليجد حصيلة ديونه كاملة (الماضي والحاضر) ويؤديها بضغطة زر واحدة.

تفعيل الشباك الوحيد ميدانياً: تفعيل قنوات التبادل التلقائي للبيانات بين المصالح. فإذا اختار المواطن الأداء في مكاتب مديرية الضرائب، يجب أن تتقبل المنظومة استخلاص متأخرات الخزينة وتحويلها داخلياً دون ترحيل المواطن.

فترة انتقالية بمرونة استخلاص: السماح للخزينة العامة بمواصلة استخلاص الرسم بكافة سنواته بشكل انتقالي، أو تفويض مديرية الضرائب صلاحية استخلاص الماضي لحساب الخزينة إلى حين تصفية الديون القديمة.

المقاصة الإلكترونية التلقائية: إسقاط شرط مطابقة الوثائق الورقية؛ بحيث تظهر مخالصة الخزينة بشكل آني في نظام مديرية الضرائب بمجرد الأداء الرقمي، لإبراء ذمة العقار تلقائياً.

إن الإصلاح الحقيقي والمسؤول هو الذي يربط نصوص القوانين بروح التيسير والواقعية. أما الاستمرار في هذا التقسيم البيروقراطي الجامد، فهو تكريس للعطب، وإجهاز على ثقة المرتفق في شعارات تحديث الإدارة المغربية.

اقرأ المقال كاملاً على لكم