الذهب يصعد والأسهم عند القمم والنفط يتراجع: الأسواق تراهن على انحسار الحرب
لم يحتج المستثمرون هذا الأسبوع إلى اتفاق سلام نهائي لتغيير رهاناتهم. إشارات التهدئة والحديث عن ترتيبات محتملة لإعادة فتح مضيق هرمز دفعت النفط إلى ما دون 80 دولاراً للبرميل، وأعادت مؤشرات أسهم إلى قمم قياسية، ورفعت الذهب إلى أعلى مستوى في سبعة أسابيع.
قد يبدو صعود الذهب والأسهم معاً متناقضاً، لكن الرابط هذه المرة هو النفط وما يعنيه للتضخم والفائدة الأميركية. تخفف الطاقة الأرخص ضغوط الأسعار وتقلل احتمال تشدد مجلس الاحتياطي الفيدرالي، ويخفف انخفاض الفائدة المتوقعة تكلفة تمويل الشركات ويقلص العائد البديل من السندات، فيزيد جاذبية الذهب الذي لا يدرّ عائداً.
النفط ينتظر السياسة أكثر مما يراقب الطلب
بلغ خام «برنت» نحو 79.70 دولار للبرميل في السادس من آب (أغسطس)، فيما دار خام غرب تكساس حول 75.37 دولاراً، بعد هبوط حاد غذّته الآمال بتفاهم يخفف المواجهة الأميركية الإيرانية ويعيد حركة الشحن عبر مضيق هرمز. خسر «برنت» نحو سبعة في المئة في الثالث من آب وحده. ولا يعني ذلك انتهاء أزمة الإمدادات؛ لم تعد حركة الناقلات إلى طبيعتها، وإعادة تشغيل الإنتاج والموانئ والتكرير تحتاج إلى وقت. لكن السوق تسعّر المستقبل، لذلك بدأت تتخلص من جزء من «علاوة الحرب» المضافة إلى كل برميل.
توضح التوقعات حجم عدم اليقين. قدّرت وكالة الطاقة الدولية انخفاض العرض العالمي 3.9 ملايين برميل يومياً في عام 2026، في مقابل تراجع الطلب 1.1 مليون برميل بفعل الأسعار المرتفعة ونقص الوقود. وهذا يعني أن السوق قد تبقى في عجز ما دام تعافي الإمدادات محدوداً؛ أما إذا عادت صادرات الشرق الأوسط أسرع من تعافي الطلب، فقد تنتقل لاحقاً إلى الفائض. وتتوقع إدارة معلومات الطاقة الأميركية، في سيناريو عودة معظم الإنتاج والتجارة، هبوط متوسط «برنت» من 103 دولارات في الفصل الثاني إلى 70 دولاراً في الفصل الأخير من عام 2026، ثم 65 دولاراً في عام 2027. لكن أي تعثر تفاوضي أو هجوم على منشآت أو ناقلات قد يعيد علاوة الخطر سريعاً.

الذهب يستفيد من هدوء النفط
على خلاف القراءة التقليدية، ارتفع الذهب مع تحسن الآمال الدبلوماسية. فقد قفز 4.4 في المئة في الخامس من آب/ أغسطس، ثم بلغ نحو 4,271 دولاراً للأونصة صباح اليوم التالي، وهو الأعلى منذ 18 حزيران (يونيو). السبب أن تراجع النفط خفّف مخاطر انتقال تكلفة الطاقة إلى النقل والغذاء والسلع، وقلل الضغوط التي قد تدفع «الفيدرالي» إلى مزيد من التشدد.
هبطت احتمالات رفع الفائدة الأميركية في أيلول (سبتمبر) إلى نحو 55 في المئة، من 67-68 في المئة قبل يومين، وتراجعت عوائد الخزانة بعد بيانات أظهرت إضافة القطاع الخاص 44 ألف وظيفة فقط في تموز (يوليو). وكلما انخفضت عوائد السندات، تراجعت تكفة الاحتفاظ بالذهب.
وللصعود قاعدة تتجاوز المضاربة القصيرة. فقد بلغ الطلب الكلي على الذهب، بما فيه التعاملات خارج البورصة، 1,269 طناً في الفصل الثاني من عام 2026، ووصل طلب النصف الأول إلى 2,522 طناً، بقيمة قياسية قدرها 380 مليار دولار. وتواصل المصارف المركزية الشراء، بينما يتسع الطلب الاستثماري الآسيوي.
مع ذلك، سحب المستثمرون 8.9 مليارات دولار من صناديق الذهب المتداولة في حزيران، وتراجعت حيازاتها 74 طناً. ومع أن صافي تدفقات النصف الأول بقي موجباً بنحو ثمانية مليارات دولار، يعكس هذا التباين تقلب شهية المستثمرين بين شهر وآخر. كذلك تضغط الأسعار المرتفعة على الطلب على الحلي وتزيد احتمال جني الأرباح، فتظل الحركة اليومية رهينة الفائدة والدولار والسياسة.
الأسهم تتنفس بعد تراجع فاتورة الطاقة
في الأسهم، بدا انخفاض النفط كإزالة ضريبة غير معلنة عن الاقتصاد: هو يدعم إنفاق المستهلك ويخفف تكاليف الشركات، خصوصاً في النقل والصناعة والسلع الاستهلاكية. بلغ «ستاندرد أند بورز 500» مستوى قياسياً في الرابع من آب قبل تراجع طفيف، وأغلق «داو جونز» عند قمة جديدة بلغت 54,349 نقطة، فيما سجل «ستوكس 600» الأوروبي قمة في السادس من آب.
لا يعتمد الصعود على النفط وحده. تشير التقديرات إلى نمو أرباح شركات «ستوكس 600» بنحو 21 في المئة في الفصل الثاني، في مقابل توقعات سابقة عند 12.5 في المئة. وفي الولايات المتحدة، يمتد إنفاق الذكاء الاصطناعي من الرقائق إلى مراكز البيانات والطاقة والتبريد والاتصالات والمعدات الصناعية.
لكن الحماسة أصبحت انتقائية؛ تراجعت بعض أسهم التكنولوجيا رغم نتائج جيدة لأنها لم تبلغ سقف التوقعات. لم يعد ذكر الذكاء الاصطناعي كافياً، إذ تطلب السوق إيرادات واضحة وعائداً قابلاً للقياس. ومع بلوغ المؤشرات قمماً قياسية، تضيق مساحة الخطأ، وقد يشعل تباطؤ الأرباح أو ارتفاع العوائد أو خيبة نتائج شركة كبرى موجة بيع.
الفائدة تمسك بالخيوط
أبقى «الفيدرالي» في اجتماعه يومي 28 و29 تموز/ يوليو الفائدة من ضمن 3.5-3.75 في المئة، لكن ثلاثة أعضاء فضّلوا رفعها ربع نقطة، ما يؤكد أن خطر التضخم لم يختف. وهكذا يبقى النفط أقصر طريق بين أزمة الشرق الأوسط والتضخم الأميركي، وتبقى الفائدة الجسر الذي ينقل أثره إلى الذهب والأسهم.
إذا استمرت التهدئة وانخفضت أسعار الطاقة، فقد تقل الحاجة إلى رفع الفائدة، فتستفيد الأسهم والذهب معاً. وإذا تجددت المواجهة وارتفع النفط، قد يصعد الذهب أولاً كملاذ، قبل أن تحدّ توقعات التشديد من مكاسبه وتضغط على الأسهم. أما إذا هبط النفط بسبب ضعف الاقتصاد العالمي، لا بسبب عودة الإمدادات، فقد يدعم ذلك الذهب عبر توقعات خفض الفائدة، لكنه يضر الأسهم بفعل ضعف الأرباح والطلب. لذلك لا تراهن الأسواق على السلام وحده، بل على سبب تحرك النفط والمسار الذي ستسلكه الطاقة والتضخم والفائدة.