الأمم المتحدة تكثف "مشاورات الصحراء المغربية" قبل المحطات الحاسمة

تسلط الجولة التي يقوم بها مساعد الأمين العام للأمم المتحدة المكلف بعمليات السلام، جان بيير لاكروا، بكل من المغرب وموريتانيا، الضوء على الحركية الدبلوماسية التي تشهدها المنطقة قبيل الاستحقاقات الأممية المرتبطة بملف الصحراء المغربية، وفي سياق المشاورات الجارية بين الأمم المتحدة والأطراف المعنية بتطورات النزاع الإقليمي المفتعل.

وفي هذا الإطار استقبل وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، المسؤول الأممي بالرباط، في ثاني زيارة رسمية له إلى المملكة، حيث تمحورت المباحثات حول الدور الذي يضطلع به المغرب في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة وإسهامه في دعم جهود السلم والأمن الدوليين.

وعقب اللقاء أشاد لاكروا بالمساهمة “النموذجية” للمملكة في عمليات حفظ السلام، خاصة في جمهورية إفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية، مثمنا كذلك دعم المغرب المتواصل جهود السلام والعمل متعدد الأطراف داخل الأمم المتحدة.

ومن الرباط انتقل المسؤول الأممي إلى نواكشوط، حيث أجرى مباحثات مع وزير الخارجية الموريتاني، محمد سالم ولد مرزوك، تناولت آفاق التعاون بين موريتانيا والمنظمة الأممية وسبل تعزيزها، إلى جانب عدد من القضايا الدولية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك.

كما حظي لاكروا باستقبال من طرف الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي أشاد، في أعقاب اللقاء، بالتزامه المستمر بدعم عمليات السلام التابعة للأمم المتحدة والدفاع عن التعددية، مؤكدا أن موريتانيا تظل شريكا مهما في تعزيز السلم والأمن الدوليين.

وتحمل هذه اللقاءات دلالات خاصة بالنظر إلى توقيتها الذي يتزامن مع الجولة الإقليمية التي يجريها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، بالمنطقة، وشملت بدورها عددا من الأطراف المعنية بالنزاع، كما تأتي قبيل محطات أممية مهمة، من بينها إعداد التقرير الدوري للأمين العام للأمم المتحدة بشأن قضية الصحراء، وتقييم عمل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (المينورسو)، فضلا عن المشاورات المرتبطة بمستقبل المسار السياسي الذي ترعاه المنظمة الأممية بشراكة وثيقة مع الإدارة الأمريكية.

ويرى مراقبون أن تحركات لاكروا ودي ميستورا في هذا التوقيت بالذات تعكس اهتمام الأمم المتحدة بتهيئة الأرضية السياسية والدبلوماسية للاستحقاقات المقبلة، في ظل استمرار المشاورات مع مختلف الفاعلين الإقليميين والدوليين، ومواصلة تقييم الأوضاع الميدانية والسياسية ذات الصلة بالنزاع، بشكل ينسجم مع الجهود الأممية الرامية إلى الدفع بالعملية السياسية نحو حل واقعي ومستدام.

تقاطع المسارات

في قراءته لدلالات الزيارة وتوقيتها يرى عبد الوهاب الكاين، رئيس منظمة “أفريكا ووتش”، أن الجولة التي يقوم بها مساعد الأمين العام للأمم المتحدة المكلف بعمليات السلام، جان بيير لاكروا، بكل من الرباط ونواكشوط، تتجاوز الأبعاد البروتوكولية المرتبطة بملفات حفظ السلام لتندرج ضمن حراك أممي أوسع يواكب التطورات المرتبطة بقضية الصحراء المغربية.

وأوضح الكاين، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية حول الموضوع، أن هذه الزيارة تتزامن مع جولة إقليمية جديدة يقودها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، ما يعكس تنسيقا أمميا دقيقا قبيل عدد من الاستحقاقات المهمة، وفي مقدمتها إعداد التقرير الدوري للأمين العام للأمم المتحدة ومراجعة مستقبل ولاية بعثة “المينورسو” التي تنتهي في أكتوبر المقبل.

من جانبها تشاطر المنظور نفسه مينة لغزال، منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، التي أكدت أن زيارة لاكروا إلى نواكشوط تعكس إدراكا أمميا متزايدا لمكانة الأطراف الأربعة المعنية بالنزاع، وخاصة موريتانيا، في معادلة الاستقرار الإقليمي وما يرتبط بها من رهانات أمنية وسياسية.

وفي تصريحها لهسبريس أوردت لغزال أن “المشاورات التي يجريها المسؤول الأممي في موريتانيا تأتي في سياق مراجعة إستراتيجية أوسع لعمل الأمم المتحدة بالمنطقة، وتؤكد أن نواكشوط أصبحت فاعلا يحظى باهتمام متزايد في النقاشات المرتبطة بالأمن والاستقرار الإقليميين”.

ونبهت الناشطة الحقوقية إلى أن الموقع الجيوسياسي لموريتانيا يمنحها أهمية خاصة في أي ترتيبات مستقبلية مرتبطة بالاستقرار الإقليمي، مشيرة إلى أن الأمم المتحدة باتت تنظر إلى نواكشوط باعتبارها شريكا أساسيا في الحفاظ على التوازنات الأمنية بمنطقة الساحل والصحراء؛ كما لفتت إلى أن اللقاءات التي عقدها لاكروا مع كبار المسؤولين الموريتانيين، بمن فيهم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، تعكس رغبة أممية في تعميق التشاور مع مختلف الفاعلين الإقليميين قبيل المحطات الأممية المقبلة.

رسائل التوقيت

في خضم الحركية الدبلوماسية التي تشهدها المنطقة يثير التزامن بين جولة مساعد الأمين العام للأمم المتحدة المكلف بعمليات السلام، جان بيير لاكروا، وتحركات المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، تساؤلات بشأن دلالات هذا الحضور الأممي المكثف وأبعاده السياسية، خاصة مع اقتراب استحقاقات حاسمة مرتبطة بمستقبل بعثة “المينورسو” ومسار التسوية الأممي للنزاع الإقليمي حول الصحراء.

يتجلى ذلك، وفق عبد الوهاب الكاين، في التزامن اللافت بين تحركات لاكروا الميدانية والجولة التي يقودها ستافان دي ميستورا بالمنطقة، وهي دينامية تعكس استعداد الأمم المتحدة لمرحلة جديدة من المشاورات والتقييم المرتبطة بملف الصحراء.

وذكر المحلل السياسي ذاته أن انتهاء ولاية بعثة “المينورسو” في 31 أكتوبر 2026، وما يرتبط بذلك من مراجعة إستراتيجية لعمل البعثة، يجعل من هذه الزيارات الميدانية محطة أساسية لجمع المعطيات والتشاور مع مختلف الأطراف المعنية.

وأضاف الباحث في خبايا النزاع أن الأمم المتحدة تحرص، من خلال هذه اللقاءات، على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع الدول والشركاء الأساسيين قبل عرض خلاصات المرحلة المقبلة على مجلس الأمن الدولي، وزاد شارحا: “الزيارات المتزامنة لكل من لاكروا ودي ميستورا ليست وليدة الصدفة، بل تندرج ضمن مقاربة أممية منسقة تهدف إلى الإعداد للاستحقاقات المقبلة وتوفير قاعدة معطيات دقيقة حول مختلف جوانب النزاع وتداعياته الإقليمية”.

وبخصوص موقع موريتانيا ضمن هذه الدينامية سجلت مينة لغزال أن نواكشوط لم تعد مجرد طرف متأثر بتداعيات النزاع، بل أصبحت فاعلا إقليميا يسهم في دعم الاستقرار وتعزيز التوازنات الأمنية بالمنطقة.

وأوردت المتحدثة أن الأمم المتحدة تولي اهتماما متزايدا للدور الموريتاني، بالنظر إلى ما راكمته البلاد من تجربة في الحفاظ على الاستقرار وسط محيط إقليمي معقد.

وعن دلالات التقارب المغربي الموريتاني في هذا السياق ذكرت لغزال أن التعاون المتنامي بين الرباط ونواكشوط يعزز فرص بناء مقاربات إقليمية أكثر فاعلية في مواجهة التحديات الأمنية المشتركة، واسترسلت بأن الحركية الدبلوماسية الحالية تعكس سعيا أمميا إلى توفير الظروف الملائمة قبل المداولات المقبلة داخل مجلس الأمن، بما يتيح تقييما أكثر واقعية لمستجدات الملف.

وأنهت المصرحة حديثها بأن التحركات الأممية الجارية تعكس إرادة واضحة لتجاوز حالة الجمود السياسي، مشددة على أن أي مسار مستقبلي يظل رهينا بمراعاة التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.

الثقل المغربي

تتجاوز لقاءات الرباط الغلاف التقني المرتبط بعمليات حفظ السلام لتكشف عن اشتباك إستراتيجي معقد بين الملف الإجرائي لبعثة “المينورسو” والمسار السياسي للنزاع الإقليمي حول الصحراء، في ظل اقتراب مواعيد أممية حاسمة ستحدد ملامح المرحلة المقبلة.

وتفاعلا مع هذا المحور أكد عبد الوهاب الكاين أن زيارة لاكروا إلى المغرب تعكس المكانة التي راكمتها المملكة داخل منظومة الأمم المتحدة، سواء من خلال مساهماتها المتواصلة في عمليات حفظ السلام أو عبر أدوارها المتنامية داخل المؤسسات الأممية المعنية بالسلم والأمن الدوليين.

وشدد نائب منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية على أن المشاورات الجارية بين الأمم المتحدة وشركائها الإقليميين تؤكد أهمية المقاربة التوافقية في معالجة القضايا الأمنية والسياسية المرتبطة بالمنطقة، بما يضمن الحفاظ على الاستقرار وتعزيز فرص التسوية.

وأجمل الكاين بأن “الرباط أصبحت اليوم فاعلا مؤسساتيا مؤثرا داخل المنظومة الأممية، وهو ما يمنحها موقعا متقدما في التفاعل مع مختلف القضايا المطروحة، وفي مقدمتها قضية الصحراء، سواء على المستوى السياسي أو في ما يرتبط بالجوانب التقنية المتصلة بعمل بعثة المينورسو”.

كما خلص المصرحان لهسبريس إلى أن التحركات الأممية الأخيرة بالمنطقة تعكس مرحلة مفصلية تسبق استحقاقات أممية مهمة، وتؤكد استمرار المشاورات مع مختلف الفاعلين الإقليميين في أفق بلورة تقييم شامل لتطورات النزاع ومسارات تدبيره داخل الأمم المتحدة.

The post الأمم المتحدة تكثف "مشاورات الصحراء المغربية" قبل المحطات الحاسمة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress