لبنان وإسرائيل بين إدارة الصراع واحتمالات التسوية في ظل إعادة تشكيل الشرق الأوسط
بسام صراف
لم يعد المسار اللبناني–الإسرائيلي قابلاً للفهم ضمن منطق الحرب أو التسوية النهائية، بل ضمن مساحةٍ وسطية تُدار فيها الأزمات أكثر مما تُحسم. هذا المسار يتشكل داخل نظامٍ إقليمي مترابط تحكمه التفاعلات الأميركية– الإيرانية– الإسرائيلية.
تفترض هذه القراءة أن التحولات الإقليمية لا تنتج تسويات مباشرة، بل تعيد توزيع أدوار الساحات، بحيث تتأرجح بين التهدئة والتصعيد وفق توازنات الردع.
أي تفاهم أميركي– إيراني جزئي قد يخلق تهدئةً وظيفية في بعض الجبهات، بينها لبنان، من دون أن يتحول إلى سلام مستقر. وفي المقابل، فإن تعثر هذا المسار يعيد إنتاج منطق تعدد الجبهات المتداخلة.
لكن النظام يبقى غير خطي، إذ يمكن لحدث أمني أو تحول سياسي داخلي أن يعيد تشكيل قواعد الاشتباك بسرعة.
ما بين الحرب والسلام، يتحول لبنان وإسرائيل إلى حالة "إدارة صراع ممتد" داخل نظام لا يعرف الاستقرار النهائي.
1-من نزاع ثنائي إلى نظام إقليمي
لم يعد لبنان– إسرائيل ملفاً ثنائياً، بل بات جزءاً من نظام إقليمي مترابط يشمل:
-معادلات الردع الإسرائيلية
-النفوذ الإيراني الإقليمي
-إدارة الولايات المتحدة لمنع توسع الحرب
-جغرافيا شرق المتوسط.
ضمن هذا الإطار، تُصاغ القرارات الأمنية داخل شبكة توازنات متعددة المستوى، لا ضمن حسابات محلية فقط.
2-السوابق البنيوية
اتفاق الترسيم البحري (2022) أظهر أن التفاهم ممكن عندما تتقدم المصالح الاقتصادية بدعم وساطة أميركية.
حرب 2006 كشفت حدود الحسم العسكري وأنتجت ردعاً متبادلاً غير مكتمل لكنه مستقر نسبياً.
أما المسار النووي الإيراني فقد أكد أن العلاقة بين واشنطن وطهران تقوم على إدارة الصراع لا إنهائه.
كما أن المواجهات الإقليمية الأخيرة أظهرت أن التصعيد، حتى عند ذروته، يعيد إنتاج مسارات احتواء وتفاوض بدل الحسم.
3-المسار الأميركي – الإيراني
لا تهدف المفاوضات بين واشنطن وطهران إلى إنهاء الصراع، بل إلى:
-ضبط المخاطر النووية والإقليمية
-منع الحرب المباشرة
-إدارة النفوذ بدل تفجيره.
ضمن هذا المنطق، تتحول الساحات الفرعية، ومنها لبنان، إلى أدوات ضبط داخل نظام أوسع.
4-الاقتصاد كعامل ضابط
يلعب الاقتصاد دوراً بنيوياً في تشكيل سلوك الأطراف:
-الأزمة المالية في لبنان تعيد تعريف الأولويات الداخلية
-إسرائيل تواجه تكلفة متزايدة لتعدد الجبهات
-غاز شرق المتوسط يخلق توازناً بين التنافس والتعاون
-العقوبات على إيران تُستخدم أداة تفاوض مرنة.
النتيجة هي صراع مقيد اقتصادياً يمنع الحرب المفتوحة لكنه لا يلغي التصعيد المحدود.
5-توازن المصالح
إسرائيل: منع جبهة شمالية وإدارة الردع.
لبنان: تجنب الحرب والحفاظ على استقرار هش.
إيران: تعزيز الردع واستخدام الساحات ورقة تفاوض.
الولايات المتحدة: منع توسع الحرب وإدارة التصعيد.
6-منطق السلوك الإسرائيلي
يتحرك السلوك الإسرائيلي ضمن ثلاث وظائف:
-هندسة الردع
-إدارة تعدد الجبهات
-منع تشكل تهديد مستقر شمالاً.
لكن هذا النموذج يبقى مشروطاً ببيئة إقليمية قابلة للتغير السريع.
7-السياسة الداخلية الإسرائيلية
تتحرك إسرائيل ضمن توازناتٍ داخلية معقدة في ظل قيادة بنيامين نتنياهو، حيث تتقاطع:
-الحسابات الائتلافية
-الضغوط السياسية والقضائية
-الاستقطاب الداخلي.
كما أن أي تصعيد أو تهدئة كبرى ينعكسان مباشرة على الكنيست، وقد يعيدان تشكيل التحالفات وربما مسار الانتخابات.
8-عدم اليقين البنيوي
يبقى النظام عرضةً لتحولات غير خطية تشمل:
-انهيار داخلي في لبنان
-تغير سياسي في إسرائيل
-تقدم أو تعثر في المسار الأميركي–الإيراني
-حوادث أمنية واسعة غير متوقعة.
9-السيناريوات (2026-2029)
1-تسوية وظيفية إقليمية (مرجحة): تهدئة جزئية ضمن تفاهمات غير مكتملة.
2-جمود استراتيجي (محتمل): إدارة أزمة من دون اختراق.
3-تصعيد متعدد الجبهة (أقل احتمالاً): عودة التوتر الإقليمي.
4-سيناريو غير خطي (عالي الأثر): حدث مفاجئ يعيد تشكيل النظام.
10-الفرضية المركزية
لبنان ليس طرفاً مستقلاً في التسوية، بل متغير ضبط داخل نظام ردع إقليمي متعدد المستوى، يمتلك هامش تأثير محدوداً في لحظات التحول.
لا يتجه الشرق الأوسط نحو تسوية نهائية، بل نحو نظام إدارة صراعات مخفوضة الكثافة يُعاد تشكيله باستمرار.
في هذا السياق، لا تُحل النزاعات بل تُدار، ولا تُغلق الملفات بل يُعاد توزيعها.
ويبقى لبنان في موقعٍ حساس داخل هذا النظام: ليس صانع قواعد، لكنه أحد أهم نقاط التوازن بين الاستقرار والانفجار.