إلى شبل …
ماريان شبل عيسى الخوري
خمسون عاماً مضت، وعِطر ذِكراك في الأضلع باق.
خمسون عاماً مضت، وحنيننا إليك يئِن كحنين الناي عند الغسق!
يومها، انتصبت أبياً في الصف الأمامي، علك تدرأ بصدرك همجية غرباء عبثوا بأرض أجدادك، فكان عطاؤك قرباناً على مذبح الشهادة.
يومها، وأنت الابن الوحيد، رفعت الخوذة عن رأسك لتحمي بها رب عائلة أبى إلا أن يناشد المجد بقربك، فكان ذودك عن أطفال أبرياء، سبيلك إلى أقاصي المجد!

يومها، أبيت أن يدنِس الغريب قدسية أرضِك، وأن ينتهك المستضاف حرمة وطن سامر الأبدية في ليالي القدْر، فكان غضبك كصوت الضمير، كهتاف الحق، مِعبراً للخلود!
يومها آمنت، وأنت المسالم البريء، بقدسية شهر السلاح لدحر من أراد إزالتنا أو تهجيرنا، فكان استشهادك ثمن بقائنا، ولكن سرعان ما تحولت حرب الوجود أو الزوال إلى معارك آنية صغيرة.
خمسون عاماً، ولهفي عليك مسمّر، وأنت في اللانهاية، تأبى السكينة وأرضك تسْتباح.
لهفي عليك مسمّر، وأنت في اللانهاية، تتوجع لتأوه أرض جفت مسامها لما استهان بها كل عابث وعابرْ!
خمسون عاماً وواجب الذاكرة يملي خطانا.
خمسون عاماً وقافلة الشهداء ارتضت درباً رسمتها!
أما اليوم، فقد انبرت أصوات هالها سكون الضمائر، شهدت للحق، فرنمت أنشودة الحياة… أشاحت شبح التذلل، فانتعشت دِماء الشهداء!
أما اليوم، فنم قرير العين، ناعِم البال. لقد استفاق الضمير وتململ في غيبوبته، وها، بالدماء غضب يدوي ليحطِم قيود النسيان، بالأمل يضْحى نغم عذب يهمِسه الأثير، وها، بالكرامة هدير صاخب يزمجر، ليدحر عار الخنوع!
نم قرير العين، واطمئن إلى الوطن السرمدي!
فهو، رغم كل محاولات زعزعتِه، كالطائر الفينيقي بعِث من أنقاضِهِ!
وكلهاث الأرز الذي لا يكذّب الدهر صِدقه، يصحو من سباتِه، ينفض غبار التخلف والضغينة والانقسام، ويسترد راية كان قد أراحها لهول الألم. فيسير قدماً، ليستعيد دوره الحضاري الرائد في شرق معذب، قاسماً يمين الوحدة المتجسدة:
بصون الحرية، وتحصين السيادة، باحترام الفرد، والسعي إلى أن يبقى "لبنان الرسالة" مِثالاً يحتذى!