أسطورة الذخائر الدقيقة: عندما تخطئ التكنولوجيا
منذ حرب الخليج الأولى، ارتبطت صورة الحروب الحديثة بما يُعرف بـ"الذخائر الموجهة بدقة" (Precision-Guided Munitions)، التي شكّلت نقلة نوعية في التكنولوجيا العسكرية بفضل اعتمادها على منظومات متطورة تشمل الأقمار الصناعية، وأنظمة الملاحة بالقصور الذاتي، وأجهزة الاستشعار، والليزر أو الرادار، ما يمكّنها من إصابة أهدافها بدقة قد لا تتجاوز بضعة أمتار. ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبحت هذه المنظومات أكثر قدرة على تحليل البيانات ودمجها، ما عزز الانطباع بأن الحروب باتت أكثر دقة وأقل إضراراً بالمدنيين.
لكن الواقع أكثر تعقيداً. فمصطلح "الصاروخ الدقيق" لا يعني أن السلاح قادر على التمييز بين هدف عسكري وآخر مدني، بل يعني فقط أنه يستطيع الوصول إلى الإحداثيات التي زُوّد بها. ومن هنا تظهر الفجوة بين دقة أنظمة التوجيه، ودقة القرار الذي يحدد مكان سقوط السلاح.
لا معصوم!
لا يعني ذلك أن الذخائر الموجهة معصومة من الأعطال الفنية؛ فقد تتعرض لفشل في أنظمة الملاحة أو أجهزة الاستشعار، أو لتشويش على إشارات الأقمار الصناعية، أو لأعطال في الباحثات الليزرية أو الرادارية، وقد تؤثر الظروف الجوية والدخان الكثيف في دقة الإصابة. ورغم أن هذه الحالات أقل شيوعاً مقارنة بالذخائر التقليدية، فإنها تبقى أحد الأسباب المحتملة لفشل الضربات الدقيقة.

إلا أن تحقيقات وتقارير حديثة تشير إلى أن كثيراً من حوادث إصابة المدنيين لا تعود إلى خلل في الصاروخ نفسه، بل إلى أخطاء تسبق إطلاقه. فحتى عندما تعمل أنظمة التوجيه بكفاءة كاملة، فإن السلاح لن يفعل أكثر من تنفيذ المهمة التي كُلّف بها. وإذا كانت المعلومات الاستخباراتية قديمة، أو كانت صور الأقمار الصناعية غير محدثة، أو جرى تصنيف منشأة مدنية على أنها هدف عسكري، أو لم تُراجع البيانات قبل تنفيذ الضربة، فإن الصاروخ سيصيب الهدف الخطأ بدقة كاملة. ولذلك يميز الباحثون بين دقة الإصابة، وهي قدرة السلاح على الوصول إلى نقطة محددة، ودقة الاستهداف، أي صحة القرار الذي اختار تلك النقطة أساساً.
ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى منظومات الاستهداف، توسع استخدامه في تحليل صور الأقمار الصناعية، ودمج البيانات من مصادر مختلفة، ورصد الأنماط، والمساعدة في اقتراح الأهداف وترتيب أولوياتها. غير أن فعالية هذه الأنظمة تعتمد بدرجة كبيرة على جودة البيانات التي تتلقاها، إضافة إلى تصميم الخوارزميات وآليات المراجعة البشرية. فإن كانت البيانات ناقصة أو غير محدثة، فقد تبدو نتائج التحليل دقيقة من الناحية الحسابية، لكنها تقود إلى قرارات خاطئة على أرض الواقع. ولهذا يحذر باحثون من أن الخطر لا يكمن في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في الإفراط في الثقة بمخرجاته أو تقليص دور المراجعة البشرية في القرارات الحساسة.
مدرسة شجرة طيبة نموذجاً!
أعادت الضربة التي استهدفت مدرسة شجرة طيبة الابتدائية في مدينة ميناب الإيرانية هذا الجدل إلى الواجهة. ففي تحقيق ميداني أجرته Sky News، لم يركز التقرير على نوع الصاروخ المستخدم بقدر ما ركز على سؤال أكثر أهمية: كيف يمكن لسلاح يوصف بأنه "موجّه بدقة" أن يصيب مدرسة ابتدائية؟ واستعرض التحقيق فرضيات تتعلق بقدم معلومات الاستهداف أو بوجود خلل في إجراءات التحقق من الهدف قبل تنفيذ الضربة. وفي تحقيق لاحق، قالت الشبكة إنها تمكنت من التحقق من هويات 152 ضحية، بينهم 120 تلميذاً تراوح أعمارهم بين 6 و13 عاماً، و26 معلماً، مؤكدة أن هؤلاء هم جميع الطلاب والمعلمين الذين قُتلوا داخل المدرسة. وأصبحت الحادثة مثالاً على أن التطوّر التقني وحده لا يمنع وقوع المآسي إذا شابت منظومة الاستهداف أخطاء في المعلومات أو في اتخاذ القرار.
في النهاية، يبدو أن مفهوم "الأسلحة الدقيقة" يحتاج إلى قراءة أكثر واقعية. فالتكنولوجيا جعلت الصواريخ أكثر قدرة على الوصول إلى أهدافها، لكنها لم تجعل الحرب معصومة من الخطأ. وما دام الإنسان هو من يجمع المعلومات، ويحللها، ويبرمج الخوارزميات، ويتخذ قرار الإطلاق، فإن احتمال الخطأ سيبقى قائماً، سواء كان خطأً فنياً في السلاح، أو خطأً في البيانات، أو خطأً في التقدير البشري. ولذلك، فإن التحدي الحقيقي لم يعد يقتصر على تطوير صواريخ أكثر دقة، بل يمتد إلى بناء منظومات استهداف أكثر موثوقية وشفافية، لأن أكثر الأسلحة تطوراً قد تتحول إلى أداة للمأساة إذا أخطأ القرار الذي يسبق إطلاقها.