تعافي الطيران بعد فتح هرمز: عودة الرحلات أسرع من عودة الأسعار
لا يكفي توقف الحرب وفتح مضيق هرمز كي يعود قطاع الطيران فوراً إلى ما كان عليه قبل الصدمة. فالقطاع يتعافى على ثلاث سرعات: الرحلات تعود أولاً، ثم السعة والمقاعد، ثم الأسعار. لذلك، قد يرى المسافرون في الأسابيع الأولى مزيداً من الرحلات والوجهات، لكنهم لن يروا بالضرورة تذاكر أرخص بالسرعة نفسها.
الأرقام تكشف حجم الصدمة: قبل الحرب، كان سعر وقود الطائرات يدور حول 85 إلى 90 دولاراً للبرميل. ومع اتساع المخاطر في الخليج، قفز إلى نطاق 150 - 200 دولار، ثم بلغ في أوائل نيسان/أبريل نحو 209 دولارات للبرميل عالمياً. ومع فتح هرمز وتراجع علاوة المخاطر، انخفض السعر إلى نحو 139 دولاراً للبرميل في آخر قراءة أسبوعية، لكنه لا يزال أعلى كثيراً من مستويات ما قبل الأزمة. بالتالي، لم تعد الأسواق بعد إلى "طبيعتها"، بل انتقلت من مرحلة الذعر إلى مرحلة كلفة مرتفعة، لكن قابلة للإدارة.
من يعود أولاً؟
هذا الفارق يفسر لماذا لن تنخفض التذاكر فوراً. فالوقود، الذي كان يشكل نحو ربع كلفة التشغيل لدى شركات الطيران، ارتفعت حصته المتوقعة في 2026 إلى 31.4% من النفقات التشغيلية، مقارنة بـ25.4% في 2025. وتتوقع "إياتا" أن ترتفع فاتورة وقود شركات الطيران العالمية من 252 مليار دولار في 2025 إلى 350 مليار دولار في 2026، أي بزيادة تقارب 40%، مع متوسط متوقع لسعر وقود الطائرات عند 152 دولاراً للبرميل خلال السنة، مقابل 90 دولاراً في 2025. بهذا المعنى، حتى بعد تراجع الأسعار من ذروة الأزمة، يبقى الوقود أعلى بنحو 70% من متوسط العام الماضي.

عملياً، تعافي الرحلات سيكون أسرع من تعافي الأسعار. فشركات الخليج بدأت تستعيد نشاطها بوتيرة عالية: عاد عدد رحلات شركات الطيران الخليجية الكبرى إلى نحو 82% من مستواه عشية اندلاع الحرب، فيما أصبحت شركات مثل الإمارات والقطرية والاتحاد قريبة من 90% أو فوقها على بعض القياسات التشغيلية. لكن، هذه العودة لا تعني بالضرورة أن كل المسارات الجوية القديمة عادت. فقد تعود الطائرة إلى دبي أو الدوحة أو أبوظبي، لكنها قد تسلك مساراً أطول لتجنب أجواء حساسة، ما يعني وقوداً أكثر، أطقم عمل أطول، وتكلفة تشغيلية أعلى.
في المرحلة الأولى، أي خلال أول أسبوعين إلى أربعة أسابيع بعد تثبيت وقف النار وفتح الممرات، ستتركز عودة الرحلات على الخطوط ذات الطلب القوي: مراكز الخليج، الرحلات العابرة بين أوروبا وآسيا، والوجهات التي تملك شركات الطيران فيها شبكة ربط كبيرة. أما المرحلة الثانية، الممتدة من شهر إلى شهرين، فتشهد استعادة أكبر للسعة، خصوصاً إذا تراجعت تحذيرات هيئات السلامة والتأمين. المرحلة الثالثة، وهي الأبطأ، تتعلق بالوجهات العالية المخاطر أو القريبة من مناطق النزاع، وقد تمتد إلى ثلاثة أو ستة أشهر، وربما إلى جدول الشتاء في نهاية تشرين الأول/أكتوبر، لأن شركات الطيران لا تعيد بناء شبكاتها الطويلة بالكامل خارج دورات الجدولة الموسمية.
قبل فتح هرمز، كانت الصدمة التشغيلية كبيرة. في الأسابيع الأولى، ألغيت أو لم تُشغّل أكثر من 65% من الرحلات الإقليمية في بعض الأيام، وتضرر نحو 5 ملايين مسافر بين 28 شباط/فبراير و11 آذار/مارس، بحسب تقديرات تشغيلية مبنية على الرحلات الملغاة خارج المنطقة. ثم تراجعت الإلغاءات تدريجياً إلى ما دون 10 - 11% مطلع نيسان/أبريل. هذا يعني أن القطاع يملك قدرة عالية على إعادة التشغيل، لكنه يحتاج إلى وضوح أمني ووقود متوافر وأسعار تأمين مقبولة.
متى تتراجع أسعار التذاكر؟
أسعار التذاكر ستتراجع ببطء أكبر. تتوقع "إياتا" أن تصل إيرادات تذاكر السفر إلى 839 مليار دولار في 2026، بزيادة 9.2% عن 2025، في حين أن الطلب المقاس بالكيلومترات الراكبة لن ينمو إلا 2.1%. الفارق بين الرقمين يعني أن شركات الطيران لا تراهن على عدد ركاب أكبر، بل على أسعار أعلى أيضاً. وتقدر "إياتا" أن يرتفع عائد التذاكر 7% في 2026، في إشارة واضحة إلى أن جزءاً من صدمة الوقود سيبقى في سعر المقعد، حتى بعد بدء انخفاض النفط.
لذلك، يمكن رسم مسار واقعي للأسعار: في الخطوط الأكثر تنافسية، مثل أوروبا - الخليج أو آسيا - الخليج، قد تبدأ التذاكر بالانخفاض 5 إلى 10% خلال أربعة إلى ثمانية أسابيع إذا استقر سعر الوقود قرب مستوياته الجديدة، ولم تقع حوادث أمنية. في الخطوط الطويلة بين أوروبا وآسيا وأستراليا، حيث أثرت إعادة التوجيه على زمن الرحلات وكلفة التشغيل، قد يحتاج الانخفاض إلى شهرين أو ثلاثة. أما العودة الكاملة إلى مستويات ما قبل الحرب، فالأرجح أنها لن تحصل قبل الربع الأخير من 2026 على أفضل تقدير، وقد تمتد إلى مطلع 2027 على الخطوط التي بقيت سعتها منخفضة أو تأمينها مرتفعاً.
هذه ليست عودة تلقائية. فشركات الطيران رفعت الأسعار والرسوم لأنها لا تستطيع امتصاص الصدمة كاملة. بعض الشركات رفعت أسعار التذاكر مباشرة، وبعضها فرض رسوماً إضافية على الوقود، وبعضها خفض السعة أو ألغى رحلات غير مربحة. الخطوط الصينية رفعت رسوم الوقود المحلية بما يصل إلى نحو 25 دولاراً للرحلات الأطول. "إير فرانس ـ كيه إل إم" تحدثت عن زيادة بنحو 2.4 مليار دولار في فاتورة الوقود وخفضت توقعات السعة، كما أعلنت زيادة بنحو 57 دولاراً على الرحلات الطويلة ذهاباً وإياباً. "طيران الهند" انتقل من رسم وقود ثابت إلى رسم مرتبط بالمسافة. "إنديغو" فرضت رسوماً للوقود على الرحلات الداخلية والدولية، منها نحو 9.5 دولارات للشرق الأوسط و24 دولاراً لأوروبا. "لوفتهانزا" قدرت أثر الوقود بنحو 1.94 مليار دولار في 2026، ورفعت "ITA Airways" التابعة للمجموعة الأسعار بين 5 و10%. أما "تاي إيروايز" فأعلنت زيادات بين 10 و15%.
الإجراءات لم تقتصر على رفع الأسعار. شركات أخرى لجأت إلى تقليص الرحلات أو إعادة توزيع الطائرات. "لوفتهانزا" حذفت 20 ألف رحلة قصيرة حتى تشرين الأول/أكتوبر، بما يعادل توفير نحو 40 ألف طن متري من وقود الطائرات. "ساس" ألغت ألف رحلة في نيسان/أبريل بعد مئات الرحلات في آذار/مارس. "تاي إير آسيا" خفضت السعة بنحو 30% في أيار/مايو وحزيران/يونيو. "دلتا" خفضت السعة المخططة بنحو 3.5 نقاط مئوية ورفعت رسوم الحقائب. شركات أميركية أخرى رفعت رسوم الأمتعة بنحو 10 دولارات للحقيبة الأولى والثانية. وهذه ليست تفاصيل هامشية: الإيرادات الإضافية والرسوم الجانبية أصبحت أداة أساسية لتعويض الوقود، إذ تتوقع "إياتا" ارتفاع الإيرادات الإضافية إلى 165 مليار دولار في 2026.
ما كانت إجراءات التحوّط؟
في المقابل، لجأت شركات إلى التحوط وإدارة المخاطر. عالمياً، تحوطت شركات الطيران لنحو ثلث استهلاكها المتوقع من الوقود في 2026، ما يخفف الصدمة القصيرة لكنه لا يحميها من ارتفاع مستمر في أسعار وقود الطائرات أو من اتساع الفارق بين الخام والوقود المكرر. وهذا ما يفسر اختلاف ردود الفعل: شركة متحوطّة قد تؤجل رفع الأسعار، بينما شركة غير متحوطّة تمرر الكلفة إلى المسافر بسرعة أكبر.
يبقى السؤال الحاسم: متى تعود الأمور إلى طبيعتها؟ في الطاقة، يتوقع بعض المحللين أن تعود صادرات الخليج إلى مستويات ما قبل الحرب بحلول نهاية تموز/يوليو إذا استقر فتح هرمز، وأن يتعافى إنتاج الخام بحلول تشرين الأول/أكتوبر. لكن مؤسسات أخرى تحذر من أن إزالة المخاطر البحرية، وعودة التأمين إلى مستوياته العادية، وإعادة تشغيل الإنتاج والمصافي قد تستغرق أشهراً لا أياماً. بالنسبة إلى الطيران، هذا يعني أن انخفاض الوقود قد يظهر قبل نهاية الصيف، لكن أثره الكامل على التذاكر لن يظهر إلا بعد أن تثبت شركات الطيران أن الكلفة الجديدة مستقرة وليست مؤقتة.
الخلاصة أن فتح هرمز يطلق التعافي، لكنه لا يمحو كلفة الحرب فوراً. الطائرات تعود خلال أسابيع، والسعة تتحسن خلال شهرين تقريباً على الخطوط الكبرى، أما الأسعار فتحتاج إلى ما بين ثلاثة وستة أشهر كي تهبط بوضوح، وإلى نهاية 2026 أو مطلع 2027 كي تقترب من مستويات ما قبل الصدمة، شرط ألا تعود المخاطر الأمنية أو ترتفع أسعار الوقود من جديد. في الطيران، الحرب قد تنتهي بقرار سياسي، لكن سعر المقعد لا يعود إلى طبيعته إلا عندما تطمئن الأسواق، وشركات التأمين، وشركات الطيران، والركاب في الوقت نفسه.

أرقام مفصلية
* وقود الطائرات قبل الحرب: 85 - 90 دولاراً للبرميل.
* في ذروة الأزمة: 150 - 200 دولار للبرميل (وصول المتوسط العالمي إلى 209 دولارات في أوائل نيسان/أبريل).
* آخر قراءة أسبوعية عالمية: نحو 139 دولاراً للبرميل.
* فاتورة الوقود العالمية المتوقعة في 2026: 350 مليار دولار (مقابل 252 ملياراً في 2025)
* حصة الوقود من كلفة التشغيل: 31.4% في 2026 (مقابل 25.4% في 2025)
* ارتفاع عائد التذاكر المتوقع عالمياً في 2026: 7%.
* إيرادات التذاكر المتوقعة: 839 مليار دولار (بزيادة 9.2%)
* تعافي الرحلات الخليجية: نحو 82% من مستوى ما قبل الحرب، مع اقتراب أكبر الشركات من 90%.
* المدة المرجحة لانخفاض أسعار التذاكر: 4 - 8 أسابيع على الخطوط التنافسية، وشهران إلى ثلاثة على الخطوط الطويلة، ونهاية 2026 أو مطلع 2027 للعودة شبه الكاملة إلى مستويات ما قبل الحرب.