عبد الرحمن الحميدي يكتب..الرياضة ليست فلاشا مؤقتا بل بناء وطنيا مستدام

يُعد تحليل معادلة “دوري قوي.. منتخب قوي” بمثابة تشخيص دقيق يضع الإصبع على الجرح الأزلي في منظومتنا الكروية؛ إذ يتضح جلياً أن أزمة كرة القدم لم تكن يوماً مرتبطة باسم مدرب أو بمكان معسكر، بل تكمن في الجوهر: العقلية الإدارية والنهج الهيكلي.

لقد نجحنا في بناء دوري جاذب يضج بالأسماء العالمية، لكن المفارقة التي نعيشها اليوم تتمثل في أن هذا البريق قلّص مساحة التنافس والنمو للاعب المحلي، لتصبح الأندية هي المستفيد الأول، بينما يدفع المنتخب الأول الفاتورة الباهظة. ولتقييم المشهد بواقعية، يمكننا تقسيم التحديات إلى محورين رئيسيين:

أولاً: فجوة الاستثمار والبناء
رغم الطفرة الاقتصادية غير المسبوقة في الاستقطابات، لا يزال القطاع يعاني من “مرض قديم”، يتجلى في غياب المشاريع المستدامة؛ حيث ترتبط الإدارة الرياضية لدينا غالباً بشخوص، فإذا رحل المسؤول، هُدم المشروع وبدأ من يليه من الصفر. يضاف إلى ذلك إهمال القواعد والمنتخبات السنية؛ فبينما تُعتبر هذه القطاعات في الدول المتقدمة كروياً “المصنع الحقيقي” الذي يُستثمر فيه بأفضل الخبرات، لا تزال لدينا تُصنف غالباً كمرتبة ثانية بعد المنتخب الأول، وهو مفهوم يحتاج إلى تصحيح جذري.

ثانياً: مؤشرات التغيير وهيكلة المستقبل
لا يجب أن يكون تفاؤلنا عاطفياً، بل مبنياً على مؤشرات هيكلية ملموسة. وهنا تبرز إستراتيجية تحول كرة القدم السعودية كخارطة طريق واضحة تتضمن مستهدفات دقيقة لتطوير الفئات السنية والكوادر الوطنية. لكن المحك الحقيقي يبقى في فرض “حكومة فنية” صارمة لا تتبدل بتغير الأشخاص.

من جانب آخر، تمثل خصخصة الأندية وحوكمتها خطوة مفصلية لكسر دائرة العشوائية. فدخول الشركات الكبرى والصناديق الاستثمارية يفرض لغة الأرقام والمحاسبة؛ إذ أصبح المسؤول تحت طائلة التدقيق المالي والإداري، مما قد يجبر الإدارات على التخلي عن العمل الروتيني والاتجاه لبناء أكاديميات حقيقية لتقليل تكلفة شراء العقود.

معادلة النجاح: الصبر على البناء
إن الطموح بالوصول إلى دور الـ 16 في كأس العالم، أو استعادة العرش الآسيوي، لن يتحقق بمعجزة تكتيكية في معسكر قصير.

لن نعود أبطالاً إلا إذا أوجدنا صيغة تحمي دقائق اللعب للاعب المحلي في الدوري، وألزمنا الأندية بأن تتحول إلى “مراكز لتطوير المواهب” لا مجرد “مستهلك لنجوم جاهزين”.

العالم من حولنا، لا سيما في شرق آسيا، يتطور بفضل “ثقافة الصبر على البناء”. أما لدينا، فلا يزال الضغط الجماهيري والإعلامي يطالب ببطولة “الغد”، مما يدفع المسؤول أحياناً لتقديم حلول ترقيعية لحماية كرسيه.

الخلاصة
نحن نملك اليوم بنية تحتية تشريعية واقتصادية هي الأقوى في تاريخنا الرياضي. التحدي الحقيقي ليس في الأنظمة، بل في العقليات التي تديرها. المعركة اليوم هي معركة “فكر إداري”؛ فالتفاؤل مرهون بقدرة النظام الرياضي الجديد على إقصاء من يرى الرياضة “فلاشاً مؤقتاً”، وتمكين من يراها “بناءً وطنياً مستداماً”.

اقرأ المقال كاملاً على سبورت السعودية