يوم هنأ وزير الميزانية ذوي المعاشات المليونية وأغفل من دونهم
هو يوم قد حفر بإحكام في ذاكرة متقاعدي الطبقتين المتوسطة والدنيا، يوم هنأ فوزي لقجع،الوزيرالمنتدب المكلف بالميزانية أصحاب المعاشات المليونية من موظفين سامين ومدراء كبار ووزراء سابقين ومن على شاكلتهم ،خلال المصادقة على التعديلات على مشروع قانون المالية بمجلس المستشارين.
مضيفا بالقول إن“الله يحب العبد الملحاح وهنيئا لكم بتتويج هذا الإلحاح بهذه النتيجة”،ويقصد بذلك الإعفاء الضريبي الذي سمح بالزيادة الشهرية المهمة في رواتبهم المعاشية دون أن ينبس ببنت شفة حول وضعية من دونهم من أصحاب المعاشات الدنيا والمتوسطة.
فهل يدري السيد الوزير أن هروب جموع من الشباب المغاربة نحو سبتة المحتلة في طريق العبور إلى بلاد يعتبرونها أرض العيش الكريم ،قد يكون من بينهم بدون أدنى شك أبناء وبنات عدد كبير من متقاعدي الطبقتين الدنيا والمتوسطة ممن ضاق بهم الحال في انعدام فرص الشغل الكريم وعدم كفاية راتب المعاش لوالديهم ليستجيب لطموحاتهم والحرمان من المنح الجامعية على هزالتها لمن لازال يتابع دراسته النظامية وغلاء المعيشة وفواتير التطبيب والتمريض وهلم جرا.
المجلس الاقتصادي والاجتماعي يثمن الإنجازات ولا حديث عن وضعية المتقاعد
لقد بحت أصوات هذه الشريحة الاجتماعية المهضومة الحقوق منذ أكثر من ربع قرن دون أن تلتفت إلى أحوالها المعيشية الحكومات المتعاقبة وكأنها عالة عليها،لا أبناء ولا أسر تعولها في بلاد تنعم بكل الخيرات الطبيعية والمعدنية والبحرية والسياحية،وهي تؤدي ضرائبها المختلفة للدولة والجماعات المحلية كسائر المواطنين ولا تستفيد من حقها في العيش الكريم.
ثم يأتي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي هو الآخر أيضا والذي يرأسه وزير سابق من حزب البيجيدي في تقريره الأخير ليزيد في الطين بلة تجاه نفس الشريحة الاجتماعية ليثمن المكاسب الاجتماعية للحكومة ويدافع فقط عن الفئات الهشة، حيث رصد “مواصلة تنفيذ الالتزامات المنبثقة عن الاتفاقيات الاجتماعية، ولا سيما من خلال صرف الشطر الثاني من الزيادة العامة في أجور موظفي القطاع العام، إلى جانب مواصلة تنزيل العديد من الأوراش الإصلاحية المهيكلة التي تهم مدونة الشغل، وأنظمة التقاعد، وتأطير ممارسة حق الإضراب” كما اعتبر كذلك أن “تعزيز هذه المنجزات يستدعي التنزيل الناجع للالتزامات، والنهوض بالمفاوضات الجماعية، وبدور جهاز تفتيش الشغل من جهة، وضمان مواكبة آليات الحوار الاجتماعي للتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها بلادنا من جهة أخرى”. هذا كله دون أدنى إشارة إلى الوضعية المتأزمة لمتقاعدي الطبقتين المتوسطة والدنيا من يحسبون في خانة جوج فرنك التي جاءت وقتها على لسان النائبة والوزيرة التقدمية السابقة شرفات أفيلال في حلقة من برنامج حوار لمصطفى العلوي،أي ثمانية آلاف درهم في الشهرتزيد أو تنقص، والتي تبخرمعظمها ويتبخر الى اليوم مع ديمومة الغلاء والتضخم.
وضعية التقاعد ببلادنا تفر منها الولدان
وبالعودة إلى وضعية المتقاعد ببلادنا،لابد أن نعترف بأننا لم نكافئ المحال أو المحالة على التقاعد بما يستحقانه من تقدير وتكريم، نظير ما قدماه للوطن من تضحيات وخدمات طوال فترة العمل، بل بالعكس من ذلك، عاملناهما بالنكران وبالجحود، وأوصدت أبواب الرزق والعيش الكريم في وجهيهما.
إن المتقاعد لا يأخذ إلا راتبه التقاعدي المتآكل بعد حرمانه من كل المزايا والمنح والزيادات، وهناك أيضا عدد من الأنظمة التي تحاصر المتقاعد وكأنها صدرت خصيصا لتعاقبه على الخدمات الجليلة والمتعبة التي قدمها لمجتمعه ووطنه طوال مساره المهني، ومنها نظام التقاعد و نظام التأمين الاجتماعي اللذين يتسمان بالشح في راتب المعاش لفئة عريضة من المحالين عليه مع خصم الضريبة على المعاش لفئة مهمة منهم رغم أنهم قد أدوها أقساطا تلو أقساط خلال فترة عملهم.
ومن الأنظمة الضارة بوضعية المتقاعد أيضا، نظام القروض البنكية الذي لا يقر تسهيلات وامتيازات خاصة بالمتقاعد، وما نعرفه يقينا أن دول الغرب في معظمها تميز المتقاعد بكثير من المزايا والعطايا ولا تتركه يغرد وحيدا في العوز والفاقة والحرمان.
نحن هنا نتمنى ألا ينظر إلى المتقاعد على أنه شريحة من خارج النظام الاقتصادي الوطني، بل هو جزء لا يتجزأ من نسيج الاقتصاد الوطني، ولذلك فإن تحسين أوضاع المتقاعد من شأنه أن يرفع مستوى معيشة المواطن ككل. فأبسط قواعد العدل والمساواة تقتضي بالضرورة وضع صيغ مناسبة لتحقيق العدل بين كافة المواطنين، وإذا كانت الحكومة تقر زيادة رواتب الموظفين والأجراء بين سنة وأخرى في إطار الحوار الاجتماعي، فإنها مسؤولة أيضا عن رعاية حقوق مواطنيها من المتقاعدين أيضا وملزمة بزيادة رواتبهم وإلغاء الضريبة على معاشهم، لأن الزيادة هنا لا تبنى على قاعدة الانتماء الوظيفي، وإنما تبنى على قاعدة المواطنة والمصلحة العليا للوطن والاقتصاد الوطني.
المتقاعدون لا بواكي لهم أيضا في معظم جلسات الحوار الاجتماعي وكأنهم يعيشون في كوكب آخر غير كوكبنا ،وكأنهم لا يتأثرون بالزيادات المتوالية في الأسعار من وقت لآخر مقابل جمود معاشاتهم جمودا تاما والذي لا حراك فيه منذ إحالتهم على التقاعد وكأنهم بدون أبناء متمدرسين ولا أسر تنتظرهم، ولا حتى معدة ولا قلب ولا سمع ولا بصر ولا فؤاد ولا وزن لهم ولا اعتبار ولا ضروريات ولا أسفار ولا أوراق إدارية ولا أمراض ولا علاج أو بمعنى آخر، مجرد موتى ولا حياة فيهم وهو ما يتناقض مع روح دستور 2011 الذي نص على السواسية في الحقوق والواجبات.
فهل من المعقول شرعا وعقلا أيتها الحكومة وأيتها النقابات أن تستخرج من معاشات هؤلاء الجامدة المجمدة كل الضرائب والرسوم الظاهرة والباطنة كالضريبة على القيمة المضافة والضريبة على الاستهلاك كلما اقتنوا شيئا من متجر أو من الأسواق الممتازة وغير الممتازة أو ركبوا عربة أو قطارا أو طائرة إلا البعير أو سافروا أو تنقلوا غير مترجلين من مكان لآخر أو احتسوا مشروبا بمقهى أو تناولوا وجبة بمطعم أو تحدثوا بالهاتف أو استعملوا أداة تواصل إلكتروني مؤداة عنها أو دفعوا ثمن فواتير الماء و الكهرباء أو اشتروا لباسا غير مهرب أو اقتنوا أدوية أو دفعوا رسم تأمين أو رسوم تمدرس لأبنائهم أوطلبوا مصلحة مؤداة عنها أو تعاملوا مع البنك أو البريد أو شركات تحويل الأموال، أوعبئوا بنزينا أو خلاف ذلك من ضروريات العيش وكمالياته ثم إنهم يتأثرون – قسرا- بكل الزيادات الملحقة بأسعار هذه الخدمات ونحوها رغبوا في ذلك أم لم يرغبوا ، وكأن السيوف على أعناقهم بين حياة أو موت ويساهمون بذلك في إنعاش الخزينة العامة للمملكة وفي تحريك وتنشيط عجلة الاقتصاد الوطني وعبر الاقتطاعات المفروضة غير المبررة أو المعقولة أحيانا التي تهم حساباتهم البنكية أو البريدية ،هكذا كل ذلك دون أن يشعروا يوما ما برد للاعتبار عبر استرداد جزء مما أدوه من صافي معاشاتهم الميتة لخزينة الدولة وللجماعة بالاستناد إلى وسائل حديثة معمول بها دوليا كالإعفاء الضريبي أو التخفيض القيمي للعديد من السلع والخدمات لفائدتهم عند الاقتناء أوعند الأداء برعاية الدولة بحكم أنها المستفيد الأول من ضرائب ورسوم المتقاعدين أو تخصيص هبات سنوية لمصلحتهم لتغطية العجز الذي يحصل لهم بسبب ارتفاع الأسعار مقابل جمود معاشاتهم.
أداء الضرائب واجب وطني، ولا ريب في ذلك، ولكن الأمر توازيه حقوق أيضا خاصة بالنسبة للمحالين على المعاش الذين أدخلوا إلى “غرفة الإنعاش” ومنها إلى دائرة النسيان كلما تعلق الأمر بإقرار زيادات في الأجور للموظفين والمستخدمين وإن هزلت
نعود ونكرر لذوي الألباب أيضا من خلال إطلالة بسيطة على حقوق دافع الضرائب أو المواطن الأوروبي،تجعلنا إذن ندرك مدى البون الشاسع الحاصل بينه وبين دافع الضرائب عندنا.
حقوق دافع الضرائب أو المواطن الأوروبي
فهو يتمتع بحد أدنى للأجور لا يقل في الغالب عن 1400 أورو بالشهر حسب المستوى الاقتصادي لدولة ما بالاتحاد الأوروبي ويستفيد غالبا من المجانية في الدواء وفي العلاجات وفي الاستشفاء داخل أو خارج المشافي العمومية كالعمليات الجراحية وعمليات التوليد والمتابعة وغيره ومن تعليم لأبنائه بجودة عالية مع توفير المستلزمات الدراسية والنقل المجاني ومن تعويضات شهرية وسنوية للأسر ذات قيمة معتبرة ومن الدعم المدرسي المالي لأبنائها ورعاية خاصة للمواليد والأطفال عموما من الصندوق المخصص لذلك ومن التعويض الشهري عن توقف أو فقدان الشغل لكل مواطن أو مواطنة كيفما كان حاله وتمتيعه بالمجانية في كثير من ضرورات العيش اليومي وكذا توفير الإيواء المجاني له من قبل الدولة أو دفع مقابل مادي للاستفادة منه حسب الاستطاعة دون الحديث عن الامتيازات المتعددة التي يحظى بها من قبل الدولة ذوو الاحتياجات الخاصة من معاقين ذهنيا أو بدنيا أو من الفاقدين للحركة و القدرة عن العمل أو لمن لهم صعوبة في القراءة والتذكر ومرضى التوحد وأصحاب الأمراض المزمنة من الصغار والكبار..إلخ…مع اعتماد سياسة كسر الأسعار في عدة مناسبات ليتمتع من هم في أمس الحاجة أيضا بتناول أو ارتداء ما غلا سعره، كما تعطى لكافة المواطنين والمواطنات عدة خيارات تحت ضمان الدولة وفق منظومة السلامة الاجتماعية وأمن الشغل أو عدمه، في كل ما تعلق بمعيشهم اليومي وحاضرهم ومستقبلهم من تيسير في السكن وفي شروط الحصول عليه حسب مدخول كل فرد وفي توفير آفاق واعدة للتكوين الذاتي واستكمال الدراسة وفي طرح ومراقبة السوق التنافسية الحرة للاستفادة من خدمات الهاتف مع طرح صيغ مجانية للاتصال بداخل وخارج اوروبا و عروض الأنترنيت بصبيب عال يكاد لا ينقطع ونحو ذلك وفي تنظيم الأسفار الداخلية والخارجية والسياحة الفندقية والتخييم وفي كل ما يرتبط بالصحة العامة للمواطن ووقايته من مختلف الأمراض بل حتى الحيوان الأليف له ما يلزمه من حقوق العناية به في إطار القوانين الجاري بها العمل هناك وما خروج أصحاب السترات الصفراء أساسا إلى شوارع فرنسا إلا من أجل المطالبة بالتخفيض من الضرائب وتجويد الخدمات المقدمة إلى المواطن أسوة ببعض الدول الأوروبية التي تحظى فيها الرعاية الاجتماعية بمستويات أفضل وأرقى من فرنسا.
وبالطبع فالاتحاد الأوروبي ليس جنة من لا جنة له ولكنه من منظور شعوب كثير من الدول السائرة في طريق النمو المسماة سابقا بالدول المتخلفة أو النامية،فمواطنوه يعيش معظمهم عيشة راضية على الأقل مع ضرورات الحياة وكمالياتها.
دافع الضرائب أو المواطن المغربي
أما دافع الضرائب عندنا، فهو رغم التزامه بأداء مختلف الواجبات الضريبية وهي كثيرة ومتنوعة المصادر سواء ما تعلق بدخله أو بالضريبة على القيمة المضافة أو بالضريبة على الاستهلاك أو الرسوم الجبائية الجماعية و كذا الرسوم المختلفة الواجبة على المواطن من قبل الدولة، فإنه،مع كل ذلك، يبقى عرضة لكثير من معوقات الحياة كمواطن يسعى إلى العيش الكريم داخل وطنه الذي يحبه ولا يرضى بغيره وطنا بل يغارعليه ويذود عنه من كل نيل من سمعته كلما سمع أو رأى ما يغضبه من مس بتاريخ أو حاضر وطنه،رغم كل ذلك وبحد أدنى للأجور لا يتعدى في الوظيفة العمومية ثلث نظيره الأوروبي بالشهر، فإنه يكاد لا ينتفع من أي شيء يعد مجانيا إلا فيما ندر في معظم شؤون الحياة المعيشية منذ ولادته إلى حين وفاته، بل إن رب الأسرة أو معيلها هو من يتكفل برزق العاطلين عن العمل و إيوائهم أو بمن توقفوا من أسرته عن الشغل لأسباب مختلفة إلا إذا كانوا قد تحصلوا هم على تأمين خاص بحالتهم.
فلا صبيب يرضي المواطن المغربي مثل نظيره الأوروبي على مستوى الأنترنيت، ولا خدمات مناسبة ومرضية صحيا وتعليميا بالقطاع العمومي إذا قورن ذلك بما يتحصل عليه المواطن الأوروبي رغم أن كلاهما يدفع الضرائب للدولة.
وأخيرا وجب التذكير بأن الدول المتقدمة الراقية مثل اليابان وألمانيا والسويد تهتم بمواطنيها المتقاعدين وتقدم لهم امتيازات متعددة منها:
بطاقة تأمين صحي شاملة مدى الحياة للولوج لكل المؤسسات الصحية في الدولة.
إمتيازات الرفاهية بخصم 50% من قيمة تذاكر السفر.
منح بطاقة اشتراك في النوادي والمنتجعات الحكومية بالمجان.
إمكانية الحصول على القروض بدون فوائد.
تنظيم رحلات سياحية بأسعار تفضيلية داخل وخارج البلاد.
مجانية الولوج أو بأسعار في المتناول للمتاحف والمنتزهات والمحميات الطبيعية وحدائق الحيوانات والمسابح العمومية
مجانية التنقل أو بأسعار خاصة بالمتقاعد عبر الحافلات والقطارات ووسائل النقل العمومية الأخرى.
الاستفادة من تخفيضات تجارية خاصة مراعاة لسن المتقاعد.
إنشاء جامعة خاصة بالمتقاعدين باليابان ليقدموا من خلالها دراساتهم وبحوثهم والانخراط بدورات تدريبية من أجل خدمة المجتمع والزيادة في تدليل المتقاعد لحمايته من الكآبة ومن الفراغ القاتل،وغيره كثير من الامتيازات الممنوحة للمتقاعد.
كاتب صحفي