وليد بخاري... عقدٌ من الدبلوماسية الهادئة
ربيع الأمين – رئيس مجلس التنفيذيين اللبنانيين
ثمّة سفراء يُذكَرون بضجيج حضورهم، وآخرون يتركون وراءهم أثراً عميقاً يبقى طويلاً بعد رحيلهم. الدكتور وليد بخاري ينتمي، بكلّ وضوح، إلى الفئة الثانية. حتى مغادرته كانت على صورته: هادئة، خفيفة الوطء، اختار فيها الاعتذار عن مراسم التكريم احتراماً لدماء الشهداء المدنيين، وللآلام التي يعيشها اللبنانيون. كان ذلك في حدّ ذاته بياناً وداعياً، يختصر فلسفته كلّها: أن تكون الدبلوماسية رسالةً صامتة، لا استعراضاً للحضور.
حين وطأت قدماه أرض بيروت بين عامَي 2016 و2017 قائماً بأعمال السفارة، لم يكن أحدٌ يتوقّع أنّ هذا الدبلوماسي الشاب، القادم من وزارة الخارجية في الرياض، سيكتب فصلاً بهذا الطول في سجلّ العلاقات اللبنانية – السعودية. غير أنّ ترقيته إلى رتبة سفيرٍ بكامل الصلاحيات في آذار 2018 جاءت بتفويضٍ واضح: إعادة بناء جسور الثقة بين الرياض وبيروت، في مرحلةٍ كانت العلاقة فيها تترنّح تحت وطأة الملفات الإقليمية. اختار منذ يومه الأول نهجاً مختلفاً، قوامه التواصل المباشر مع مختلف المكوّنات اللبنانية، بعيداً عن لغة الإملاءات، ومتمسّكاً بمبدأٍ بسيطٍ وصارمٍ في آنٍ معاً: التعامل من دولةٍ إلى دولة، لا من سفارةٍ إلى ميليشيات أو طوائف.
ولا بدّ من القول هنا إنّ ما أنجزه السفير بخاري، وإن حمل بصمةً شخصيّةً واضحة في الأسلوب والصياغة، لم يكن اجتهاداً فردياً يقف خارج السياق. كان ترجمةً أمينة لسياسة المملكة العربية السعودية الثابتة تجاه لبنان، تلك التي رسمتها القيادة الرشيدة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وصاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان. سياسةٌ ترتكز على دعم سيادة لبنان واستقراره ووحدته، وصون عيشه المشترك وانتمائه العربي، وحصر السلاح والقرار بيد الدولة. هذه هي البوصلة التي اشتغل عليها بخاري طوال عقدٍ كامل. وحتّى مبادراته الأكثر حضوراً وأثراً، من "فنجان قهوة" إلى مؤتمر الطائف، وصولاً إلى التحرّك ضمن "اللجنة الخماسية"، إنّما كانت تجسيداً عمليّاً لتلك الرؤية الثابتة، ومرآةً تعكسها بأسلوبٍ هادئٍ يجمع بين الحزم والاحترام.
ولعلّ مبادرة "فنجان قهوة" كانت أولى المحطات التي رسمت ملامح أسلوبه، إذ أرست تقليداً جديداً في الدبلوماسية الثقافية ببيروت. عُقد ملتقاها الثالث في "بيت بيروت" تحت عنوان "الإعلام المرئي والعيش المشترك"، حيث استذكر بخاري أنّ المملكة العربية السعودية تشرّفت برعاية اتفاق الطائف، الذي كان – على حدّ تعبيره – نقطةً فاصلةً بين السلام والبلاء. ثمّ جاء "فنجان قهوة الرابع" في كفردبيان بعنوان "أثير الأرز"، فكرّم نخبةً من رموز العمل الإذاعيّ اللبناني. لم تكن تلك اللقاءات بروتوكولاً، بل مدرسةً صغيرة فتحت أبواب اليرزة على الفضاء الإعلاميّ والأكاديميّ بأسلوبٍ هادئ وأنيق.
أمّا المحطة السياسية الأولى الكبرى، فجاءت في أواخر 2021، حين استُدعي إلى الرياض على خلفية تصريحات وزير الإعلام اللبنانيّ آنذاك حول حرب اليمن، التي سبقتها أزمة الوزير شربل وهبة. في تلك المرحلة الدقيقة، أكد لوفد مجلس التنفيذيين اللبنانيين بموقفٍ علنيّ صريح، مؤكّداً أنّ اللبنانيين في المملكة هم من النسيج العربي المقيم، يعملون بكرامة، وأنّ زجّ اسمهم في معاركَ سياسية محلّية إساءةٌ لهم قبل أن تكون إساءةً للعلاقات الثنائية.
لم يطل غياب السفير. عاد إلى بيروت في نيسان 2022، وافتتح ماراثوناً دبلوماسياً غير مسبوق، طاف فيه على دار الفتوى، وبكركي، والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وبعبدا، وعين التينة، والسرايا، ومعراب، والمختارة. كان يحمل في كلّ زيارةٍ رسالةً واحدة: أنّ الباب يظلّ مفتوحاً أمام دولةٍ تحترم سيادتها وقرارها. وفي صيف العام نفسه، استقبل في مكتبه وفداً من مجلس التنفيذيين اللبنانيين، في لقاءٍ كان فصلاً في حوارٍ مستمرٍّ بدأه منذ يومه الأول مع الكوادر التنفيذية اللبنانية في السعودية، إيماناً منه بأنّها ركيزةٌ صلبة من ركائز العلاقة بين البلدين.
أمّا الفصل الأكثر رمزيةً في مسيرته السياسية، فكان في الخامس من تشرين الثاني 2022، حين دعا إلى عقد "المؤتمر الوطني في الذكرى الثالثة والثلاثين لإبرام اتفاق الطائف" في قصر الأونيسكو. جمع المؤتمر تحت سقفٍ واحدٍ ما يكاد يكون كلّ الطيف السياسيّ والدينيّ والدبلوماسيّ اللبناني، وأكّد بخاري في كلمته أنّ صون الميثاق الوطنيّ يبقى الركيزة التي لا تستقيم بدونها أيّ نهضة. لم يكن ذلك المؤتمر إحياءً لذكرى فحسب، بل إعلاناً سعودياً واضحاً أنّ المملكة لم تتخلَّ عن لبنان، وأنّ وثيقة الطائف، التي وُلدت في الرياض، لا تزال المرجعية الجامعة.
في الملف الأمنيّ، قاد بخاري بهدوءٍ ودقّةٍ معركةً موجعةً لكنّها حاسمة في وجه تهريب مادة الكبتاجون، فحوّلها من نقطة توتّرٍ دائمة إلى ساحة تعاونٍ أمنيّ مؤسسيّ. وعلى الصعيد السياسي، انخرط في "اللجنة الخماسية" التي ضمّت إلى جانب المملكة كلاً من الولايات المتحدة وفرنسا ومصر وقطر، لمعالجة الشغور الرئاسي. وكان في كلّ محطّةٍ من تلك المحطات يحمل ثوابت الرياض نفسها: رئيسٌ يلتقي عليه اللبنانيون، ودولةٌ تحتكر السلاح والقرار، وإصلاحاتٌ تعيد لبنان إلى محيطه العربيّ الطبيعي.
ولعلّ أكثر أوجهه شخصيةً كان حضوره الأدبيّ على منصّة X، إذ حوّل حسابه إلى ما يشبه ديواناً صغيراً من خواطر دبلوماسيّةٍ مشكَّلةٍ بعناية. كتب عن لبنان أنّه "العملةُ النادرةُ التي ستبقى جوهرةَ العرب"، ووصف الوطن بأنّه "تاجٌ متلألئٌ على جبينِ أبنائه، وسيفٌ قاطعٌ على رقابِ أعدائه". تلك التغريدات لم تكن استعراضاً لغوياً، بل أداةً ناعمةً من أدوات الدبلوماسية الرقمية، التي خصّص لها لاحقاً أطروحته للدكتوراه في جامعة بيروت العربية عام 2024، تحت عنوان "الذكاء الاصطناعي والدبلوماسية الرقمية: المملكة العربية السعودية نموذجاً". لم يكن ذلك إنجازاً أكاديمياً عابراً، بل إعلاناً ضمنياً بأنّ بيروت ليست محطّة عملٍ فحسب، بل فضاءُ فكرٍ ومعرفةٍ احتضنه واحتضنها.
وقد جاء التتويج العمليّ لتلك الرؤية الرقمية في حزيران 2025، حين نظّم مجلس التنفيذيين اللبنانيين، تحت رعاية فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزف عون وبحضور دولة رئيس الحكومة القاضي نواف سلام، مؤتمر "الحكومة الذكية: خبرات اغترابية من أجل لبنان". في ذلك الحدث، الذي جمع أكثر من تسعمئة شخصيّةٍ من لبنان والمهجر، أعلن فخامة الرئيس عون رسمياً نيّة لبنان الانضمام إلى منظمة التعاون الرقمي، المنظمة الدوليّة التي تحتضنها المملكة العربية السعودية وتضمّ في عضويته أكثر من ستّ عشرة دولة. وهنا برز الدور التيسيريّ للسفير بخاري، الذي مكّن مجلس التنفيذيين اللبنانيين من دعوة المنظمة إلى بيروت، فحضرت مديرتها العامة الدكتورة هاجر الحدّاوي، وألقت الكلمة الرئيسيّة في الجلسة الافتتاحيّة، مؤكّدةً أنّ التحوّل الرقميّ لم يعد ترفاً، بل ضرورةً لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، ومعلنةً أنّ أبواب المنظمة مفتوحةٌ لاستقبال طلب لبنان وعرضه على مجلس الإدارة. لم يكن ذلك الحضور تفصيلاً بروتوكولياً، بل فاصلاً نوعياً نقل العلاقة بين الرياض ومجلس التنفيذيين اللبنانيين من ضفّة الدعم المعنويّ إلى ضفّة الشراكة المؤسّسيّة.
وحين اشتدّت ساعات لبنان قسوةً في الحرب الأخيرة، حافظ السفير على حضوره الميدانيّ والسياسي، ورفع صوت المملكة في المحافل الدولية تأييداً لسيادة الدولة، واستعادة قرارها، واحتكارها للسلاح. ثمّ حانت لحظة الوداع، فاختار المغادرة بهدوءٍ يليق بمسيرة عقدٍ كامل.
قالت عنه الصحافة اللبنانية إنّه "الرجل الذي فهم لبنان"، وهي شهادةٌ لا تُمنح في هذه البلاد بسهولة. ولا نبالغ إذ نقول اليوم، وفي انتظار السفير المعيَّن الجديد، إنّنا لم نخسر سفيراً أحبّ لبنان وأهله، بل سنربح سفيرَين: السفيرَ القادم الذي نمدّ له يدنا منذ اللحظة الأولى، ونحن على ثقةٍ كاملة، سيمضي على الدرب الذي رسمته سياسة المملكة العربية السعودية تجاه لبنان والسفيرَ وليد بخاري الذي سيبقى لبنان في قلبه أيّاً كانت وجهته..