وقفات في تاريخ تازة

“وقفات في تاريخ تازة – حاضرة وبادية” .. قراءة في الكتاب

عبر الدينامية التي تعرفها تازة، ويشهدها المغرب أيضًا من حيث الدراسات المجالية والتاريخية خلال العقد الحالي، صدر مؤخرًا كتاب جماعي في 489 صفحة من القطع المتوسط، بحلة جميلة، ضمن منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، وفي محور عنونته الجهة المشرفة على العمل بـ”وقفات في تاريخ تازة – حاضرة وبادية”. وبغض النظر عن الالتباسات التي يطرحها المحور إياه، فيبدو أنه من المفترض أن تكون كل مواده ذات طباع تاريخي، أي أنها تتعرض لمراحل من تاريخ المنطقة، بما يميز الكتابة التاريخية من عناصر منهجية ومعرفية، أبرزها المرتكزات البحثية المعروفة، أي المجال والإنسان والزمن. فهل تمكن الكتاب من بلورة خطاب تاريخي علمي وممنهج حول تازة والناحية؟ وما هي القيمة المضافة لمختلف مواده بالنسبة لما أُلِّف وأُنجز لحد الآن من كتابات عبر قضايا ومحاور تخص المنطقة؟ وأخيرًا، هل تحقق الانسجام المعرفي والمنهجي من خلال مواد هذا الكتاب المتنوعة؟ أسئلة مركزية قد يطرحها – فيما نعتقد – كل باحث أو مهتم، وهو يتصفح بإمعان مقالات هذا الكتاب الجماعي، ونستطيع أن نعدها مدخلاً مناسبًا لمقالنا هذا، وذلك قبل أن نحلل محاور العمل الجماعي الذي يستحق – في جميع الأحوال – كل التثمين والتحفيز؛ لما في ذلك من إغناء وتعزيز للخزانتين الوطنية والمحلية.

لابد من التنويه بداية بكثير من الحقائق والإفادات التاريخية المحترمة والتي وردت في بعض مقالات الباحثين غير ما جاء في المقدمتين: الأولى (المندوب السامي للمقاومة) والثانية (باسم اللجنة المشرفة). ونماذج ذلك – على سبيل الأمثلة لا الحصر – مقالات “الثابت والمتغير في بوادي تازة بين القرن 6 هـ / 12 م و8 هـ / 14 م” لأحمد بودرة، و”رجال القضاء بتازة خلال العصر الوسيط” لعثمان سال، و”الدار الناصرية بتازة” لأحمد الوارث، و”Mosquée de Sidi Belftouh à Taza – étude historique et archéologique” لعبد اللطيف الخمار، دون أن نغفل أعمالاً أخرى قيمة ومفيدة فعلاً ضمن مواد الكتاب.

تتضح هذه الصورة الإيجابية للمنتوج إياه في معلومات تاريخية موثقة تضاف إلى تلك المعروفة عن تازة وعند عموم الباحثين والمهتمين، فيما لم تضف مقالات أخرى الشيء الكثير إلى الرصيد المعلوم. فإذا تصفحنا – كنموذج – مقال “مدينة تازا العتيقة في المصادر التاريخية الوسيطية والحديثة” للعزوزي محمد، يمكن تصنيف منتوجه على نحو موضوعي ضمن النمط المذكور، وإن كان مفيدًا أكثر لعموم الطلبة الذين يمدون خطواتهم الأولى في مجال التاريخ قبل التخصص الأكاديمي. أكثر من ذلك، فهو يجزم في حسم غريب أن مدينة تازة (والعبد الضعيف يكتبها دائمًا بالتاء المربوطة، وسنفصل أكثر في هذه النقطة التاريخية واللغوية) لم تتم الإشارة إلى موقعها بوضوح في المظان والمؤلفات التاريخية قبل العصر الموحدي، والحال أن بين أيدينا نصوصًا عديدة تناقض ما ذهب إليه العزوزي.

كنموذج فقط، جاء في كتاب “أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم” للمقدسي الذي توفي سنة 380 هـ – وهو النص نفسه الذي أورده العزوزي -: “أما فاس (يقصد المملكة حولها) فمن مدنها البصرة… ورغة – صنهاجة – هوارة – تيزا (تازة)”. وهناك نص مهم للجغرافي الأندلسي أبي عبيد الله البكري، وقد عاش الرجل بين 404 هـ و487 هـ، أي أواخر الدولة الأموية بالأندلس ثم ملوك الطوائف فدولة المرابطين، ولم يدرك الموحدين، وذلك حين يؤرخ للدولة الإدريسية في كتابه “المسالك والممالك” فيفيد: “وخرج (يعني إدريس الأول) في جمادى الآخرة سنة 174 هـ إلى تازا / تازى، وهو موضع من أعمال بني العافية” (المسالك والممالك، ص 118). وقد ساقه العزوزي أيضًا دون أن يكلف نفسه التعمق فيه أو سبر وتحليل خطابه التاريخي، وربما وقع لكاتب المقال التباس ما بين موقع أو موضع أو “رباط تازة” أو “جبال تازا” أو “بلاد تازى” أو “مكناسة تازة” من جهة، وعبارة “مدينة تازة” من جهة أخرى، والتي كان يبحث عنها ولم يجدها في مصادره للعصور الوسطى إلى غاية دولة الموحدين.

صحيح أن عبارة “مدينة تازة” لم ترد في بعض الحوليات المعنية التي اعتمد عليها العزوزي، لكنها أتت في المقابل ضمن مؤلفات أخرى وبصور وصيغ متعددة. وقد ترد لفظة “غياثة” أو “مكناسة” أحيانًا للدلالة على المنطقة، ولكن كلمة “تازة” سيقت فعلاً بما يدل على أننا أمام مركز حضري له شأنه، وهو ما يكشف بوضوح عن وجود مدينة اسمها تازة منذ القرن الرابع الهجري على الأقل. فأين نحن والعصر الموحدي (القرن السادس الهجري)؟ ولا نتحدث عن الوجود البشري بالمنطقة، لأنه يعود إلى فترات ضاربة في القدم. لنأخذ نموذج ابن خلدون (وهو ينتمي إلى أواخر القرن الثامن الهجري، ونستغرب لعدم لجوء صاحبنا إلى كتابه “تاريخ العبر”)، فهو يفيد – حين الحديث عن مكناسة تازة وموسى بن أبي العافية -: “واجتمع زناتة بعده (يقصد معنصر المغراوي صاحب فاس) على القاسم بن محمد من ولد موسى بن أبي العافية، كانوا ملوكًا بتازا” (تاريخ العبر، ق 1 م 6). فماذا يقصد ابن خلدون بعبارة “كانوا ملوكًا بتازة” وهو يقدم أحداث القرن الرابع الهجري؟ ترى، هل شيدوا ملكهم في الخلاء وفق تصور العزوزي؟ طبعًا، الملك والسلطان مرتبطان بداهة بالحضارة، ومن ثم بالمدن أساسًا. وقس على ذلك من العبارات الخلدونية كقوله: “اختص داوود بن ادريس (الدولة الإدريسية) ببلاد هوارة وتسول وتازى”.

على مستوى الأرشيف الأجنبي، هناك نموذج هنري تيراس (ولاشك أنه اعتمد على مصادره التاريخية المعلومة) الذي يفيد بالحرف: “في القرن الثامن الميلادي / ق 2 الهجري، قبل حكم إدريس الأول، بدأت تازة تتخذ طابع المدينة الإسلامية، فأهل مكناسة – برابرة غزاة ينتمون إلى الزناتيين – حلوا في شمال المغرب”. ويضيف ضمن مقاله “تازة، نبذة تاريخية وأركيولوجية”: “لكن جماعات هامة منهم (مكناسة) استقرت في المنطقة الشمالية لإيناون، وشيدت المدينة الحالية: مكناسة تازة، وجماعات أخرى شيدت مكناس”.

إذا كان شك العزوزي يصل إلى كتاب “القرطاس” لابن أبي زرع الفاسي، فلم يوضح المحاور التي هي موضع شك لديه، مكتفيًا بذكر اضطراب التواريخ. ولنفترض أن كل تاريخ “القرطاس” مغلوط أو مكذوب حتى، فأين هو البديل المنتمي للعصور الوسطى والذي يقدم أحداثها؟ ولا نقصد بالطبع ما يكتب حالياً، علمًا بأن مؤلَّف “القرطاس” مصدر أساس ولا غنى عنه لمعرفة تاريخ المغرب الوسيط، منذ الأدارسة وحتى الفترة المرينية، لا سيما وأن كل الوثائق والنقوش واللوحات التعريفية والحوالات الحبسية والعقود وفتاوى الفقهاء تتوافق مع حوليات ابن أبي زرع وأخباره عمومًا.

الغالب أن مدينة تازة تأسست من طرف قبيلة مكناسة الزناتية في القديم، كما أورده عبد الوهاب بن منصور وعبد الهادي التازي، ويعبر بن منصور عن ذلك بقوله: “كانت تازة أم قرى مكناسة”. ونذكر أيضًا قبلهما عبد الرحمان بن زيدان، وأبا القاسم الزياني الذي يقول: “ثم مدينة تازة كانت رباطًا فمدنها عبد المومن الموحدي”، بما يفيد الفرق بين المدينة والرباط (مدنها). وكثير من مدن المغرب كانت حواضر وفي نفس الوقت رباطات للتعبد أو الفتح والجهاد، علمًا بأن البشر عرفوا منطقة تازة انطلاقًا من العصر الحجري المتأخر، لأن مقومات التمدن موجودة منذ القديم، كالموقع والمياه والمناخ وطبيعة المجال عمومًا. إذن، لماذا لا نؤسس فرضيات تاريخية لها حظ من النظر العلمي، بدل نفي ما هو مثبت نصًا وواقعًا؟

على مستوى آخر، فكل باحث هو حر مبدئيًا في اختيار أو اعتماد اسم علم معروف لمكان ما أو شخص معين وبشكل محدد في الكتابة، على شرط أن يتوافق ومقتضيات التاريخ. لكن الإشكال هنا أعمق – فيما نعتقد -. لقد أصابني الذهول بكل صدق وأنا أُلاحظ بعين بريئة انتقال صاحبنا العزوزي من كتابة “تازة” بالتاء المربوطة (أو المُعَرَّبة كما يصفها البعض، والأمر يحتمل النقاش طبعًا) إلى كتابتها بالألف. فماذا حدث بالضبط؟ وأؤكد فأقول: لو لم أتوفر على مقال مرقون يعود إلى تسعينيات القرن الماضي لنفس الباحث، وقد كتب “تازة” حينذاك في جميع المواضع بالتاء المربوطة، لجزم القارئ أننا نرجم بالغيب ونتجنى على الأخ العزوزي. لكن أن ينقلب بقدرة قادر إلى الألف، فهذا أمر مثير للتساؤل، ولم يكن كذلك لولا كلمة “تازا” التي أصبحت حالياً مشحونة بالأدلجة واللفافات العرقية، ولا علاقة لها بالتاريخ. لأن من أثبتوها بالألف منذ القرن الرابع الهجري، وقبله لم يَدُرْ في خلدهم من بعيد أو قريب ما يسمى بالقضية الأمازيغية، والتي هي في الواقع نتاج فترة التسعينيات من القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة فقط، لظروف مختلفة لا داعي لسرد تفاصيلها، ومع كل الاحترام لجميع المغاربة كيفما كانت توجهاتهم.

قلت: لولا الشحن الماكر المذكور لكلمة “تازا” لكتبناها بالألف الممدودة أو التاء المربوطة أو حتى بالألف المقصورة، فليس هناك مشكل، وذلك كما وردت بالضبط عند بعض أصحاب الحوليات المغربية ومعهم الجغرافيون والرحالون والفقهاء والأدباء ثم الباحثون وعدد من المترجمين المحدثين (الراحل محمد حجي مثلاً حين ترجمته كتاب “وصف إفريقيا” بمعية محمد الأخضر للحسن بن محمد الوزان) يكتبونها “تازا”، بينما آخرون – وهم كثر – يكتبونها بالتاء المربوطة، دون أية خلفيات سوى وجه العلم، وهو أمر حاصل ولا سبيل إلى إنكاره. الشيء الذي يطرح سؤال المصداقية العلمية، بعيدًا عن الأصل والفرع واللغات واللهجات والجينات والأعراق وطريقة الكتابة والأدلجة. يكفي أن نُذكِّر فقط بكتابة كلمة “تازا” في محطة القطار السابقة لنفس المدينة، والتي تعد ترجمة حرفية لكلمة Taza الفرنسية، ولا علاقة لها لما يرمي إليه بعضهم من تحوير “تازة” – وهي المتداولة – إلى “تازا” بالخلفيات التي قصدناها سابقًا، وليس في سبيل البحث العلمي.

لقد نحا السيد العزوزي وغرد وحده خارج السرب في هذا الاتجاه ضمن الكتاب المعني، على حين أن جميع الباحثين الذين كتبوا حول تازة في نفس المؤلف الجماعي أثبتوها بالتاء المربوطة. اللهم إذا استثنينا شخصًا واحدًا راوح بين “تازا” و”تازة”، ولعمري فهو إشكال يتعدى اللغوي أو اللهجي وأيضًا الطوبونيمي، ويمس الكتابة التاريخية وصديقتها ككل. وعلى الباحث المعني أن يقنعنا بسبب موضوعي لانتقاله من “تازة” إلى “تازا”. وحتى إذا افترضنا جدلاً نزول صرعة سياسية جديدة غدًا أو أيديولوجية معينة إلى الساحة تبطن كتابة “تازة” بـ”تازوي” أو “تازغا” مثلاً، ما الذي سيضمن لنا عدم حصول انسياق أعمى كالعادة لبعض من يعدون أنفسهم باحثين بل وأكاديميين؟ فأين هي الرصانة العلمية والمسؤولية الثقافية ولو في حدها الأدنى؟ إذ نحن ببساطة أمام نوع من العبث والمراوحة بين أشكال الكلمات والأعلام لأهداف معينة.

نشير أيضًا إلى أنه ليس من المصداقية العلمية في شيء أن نحسم النقاش بشكل غريب حول أصل لفظ “تازا” الذي حوره صاحبنا إلى “تازَّا” بالتشديد (لا ندري مصادره أو وثائقه) مفسرًا – حفظه الله – بأنه لفظ أمازيغي، مع أن هذا النعت الأخير ذاته قريب العهد منا تمامًا، وغير موجود أصلاً في الأرشيف المغربي القديم والحديث، فضلاً عن الأرشيف الفرنسي والأوربي عامة. والموجود فعلاً هو ألفاظ: “ماكينيت، وباكوات، وجيتول – وبربر” بمعنى Berbères، و”المورو/ الموريون، والليبيون، والنوميديون، والأفارقة، والموريطانيون، والمراكشيون، والمغاربة”. وطغى لفظ “بربر” في الأخير حتى عند أصحاب الحوليات المغربية. ولذا يصح الجزم هنا بتغليب منحى أيديولوجي معين مرة أخرى، بعيدًا عن مقتضيات علم التاريخ والبحث فيه، فيصبح من باب التخبط – وفقًا لكل ما سبق – مساءلة الموضوع ككل، لأنه خارج السياق العلمي، دون أن يعني ذلك التخلي عن النقد الموضوعي الهادئ والرصين خدمة للحقيقة ولو في حدودها النسبية.

لم يكتف العزوزي بذلك، لا بل حسم أيضًا في شرح لفظ “تازَّا” (تشديدًا) بأنه الأرض المنبسطة، الشيء الذي يعد – جغرافيًا ومجاليًا – مجانبًا للصواب، باعتبار أن منطقة تازة تغلب عليها التلال والجبال ثم الهضاب، وعبر ذهول تام عن الشروحات الأخرى المتداولة والمتعددة، وذلك على خلاف ما تقتضيه الأعراف العلمية وعند الباحثين، وبينها معنى الصخرة – وتيزِّي أي الممر بين جبلين، وتازرا التي تعني حلي النساء في اللهجة المحلية، وتاجة وتيزا التي تعني الثنايا – على سبيل المثال لا الحصر -. بحيث يطرح السؤال القلق: لماذا ركز العزوزي فقط على “تازا” بالتشديد وتعريفها “الأمازيغي” (كذا) دون غيره من التعريفات؟ هنا نترك التعليق للقراء الكرام.

ضمن مقال “دينامية المجال القبلي في منطقة تازة الكبرى ما بين القرن 16 والقرن العشرين” لرشيد شحمي، ثمة انزلاق معرفي واضح، حين يفيدنا الباحث – بعد أن ذكر القبائل التي سيطرت على الفجاج والممرات الأطلسية – بالقول: “يعتبر إحكامها (أي تلك الفجاج) مفتاحًا من مفاتيح الوصول إلى هضبة سايس ولأبواب سهول الغرب، مثل معبر تازة الذي استحوذت عليه الحياينة (!!؟)” (ص 112 من الكتاب الجماعي). علمًا بأن مجموعة الحياينة تحتل الضفة اليسرى والشمالية لحوض إيناون لحد الآن، ولا تسيطر على ممر/ معبر تازة. فمن عُرف تاريخيًا بتلك السيطرة هي قبيلة غياثة، التي تمتد على طول ذلك الممر من بدئه إلى ختامه محتضنة مدينة تازة (طوله حوالي 40 كيلومترًا)، اعتبارًا من وادي أمليل وعقبة بني مَكارة غربًا وحتى منطقة “رَجَمْ الزّْحازْحة” شرقًا. ويبدو أن الخطأ في الأصل حصل ضمن الأطروحة الجامعية التي اعتمد عليها الباحث شحمي في إحالته، فانساق هذا الأخير بكل أسف إلى نفس الخطإ.

تتضح أهمية الموضوع الذي حلله عبد القادر العبوي ضمن مقاله “بنو يزناسن وتازة – قضايا تاريخية مشتركة” في التقاء مجالين على مستوى محطة تاريخية تحتمل الأخذ والرد، ونقصد لقاء المولى الرشيد مؤسس دولة الأشراف العلويين وزعيم زاوية ملتبسة يدعى عبد الله اللواتي، ثم القرار المشترك بتصفية اليهودي أهارون بن مشعل الذي “كانت له صولة وضروب من التطاول على المسلمين”. والمجالان المقصودان هما: بنو يزناسن وضواحي تازة. ورغم الخلاف في مكان اليهودي ابن مشعل – حيث يذهب صاحب “نشر المثاني” إلى أنه من يهود تازة، في حين يفيد الضعيف الرباطي بأن دار ابن مشعل توجد بمنطقة بني يزناسن – فقد أعطى الباحث لهذه الأحداث طابع التكامل والانسجام، وضمن افتراض أن دار ابن مشعل أو إمارته تمتد على نحو مرحلة شرق تازة وحتى ناحية بني يزناسن. ونظن أن الفرضية مؤسسة على نحو متين علميًا ومنهجيًا.

تابع العبوي الأحداث التاريخية المتعلقة ببني يزناسن وبعض المحطات المشتركة مع منطقة تازة، باعتبار الخط المجالي الرابط بينهما، سواء من حيث الحركات السلطانية أو الثورات والتمردات أو مواجهة الأوضاع بعد الاحتلال الفرنسي للجزائر، وأخيرًا اشتراك المنطقتين في أحداث تمرد الروغي الجيلالي بن ادريس بن عبد السلام الزرهوني. لكن ملاحظة مثيرة تطفو إلى السطح على مستوى الهوامش والإحالات، حيث صاغ الباحث هامشًا في الصفحة 178 على الشكل التالي: 1 – مؤلف مجهول (كذا) “هكذا أطمرت كتب التاريخ قصبة ابن مشعل الأثرية في بني يزناسن”، وهو عبارة عن مقالة صدرت في جريدة “هسبريس” الإليكترونية بتاريخ 20 أبريل 2021 وغير موقعة، فقط هناك أعلى المقالة عبارة “هسبريس من الرباط”. واستشهد الكاتب بفقرة من مقال آخر لعبد الإله بسكمار في نفس المنبر الإليكتروني بتاريخ 17 ماي 2020، أوردها نفس المقال السابق. وكان من الأولى – في نظري – العودة إلى المقال ككل – وهو الذي نشرتُه في نفس الموضوع – لبيان وتحليل سياق العبارات المقتبسة منه، بدل الاقتصار على فقرة صغيرة ضمن مقال آخر، خاصة وأنه ذكرني بالاسم في صلب المقال واكتفى بما جاء في مادة “هسبريس من الرباط”. ورغم ذلك، فجهد الباحث واضح مشكور في استنطاق المراجع أساسًا ثم مصادر الفترة بشكل ثانوي.

قدم الباحث يوسف المساتي مادة قيمة مفعمة بالمعلومات التاريخية في محور “علاقة تازة بالسلطة المركزية خلال القرن 19” من خلال وثائق/ رسائل مخزنية، وقد عرض فيه جملة محاور تميز هذه العلاقة سواء في جانبها السياسي والأمني (التمردات – بلاد السيبة وبلاد المخزن – عمال وولاة الناحية – السرقات والتعديات…) أو العسكري (الحركات والصراعات المتعددة وتعيين قيادة الجنود بالمنطقة وتحديد فرقها العسكرية…) أو الاقتصادي (تقنين الأسعار- الوسق – تمويل الحركات المخزنية…) أو الشق الاجتماعي (تجاوزات العمال والقواد تجاه القبائل – حالات الفرار من الجيش…).

للتدقيق أكثر، فقد لامس الباحث كل ذلك من خلال وثائق مخزنية تتمثل في 80 رسالة موجهة من عامل فاس إلى المناطق الأخرى وخاصة تازة، خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، ما جعله يحصر الموضوع عمومًا في العلاقة بين المدينتين. ونتساءل هنا: أي رابطة توجد ياترى بين محور هذا المقال والقسم الثالث الذي اندرج ضمنه في الكتاب الجماعي، وهو “من قضايا يهود حاضرة تازة وعلاقتهم بالسلطة المخزنية خلال القرن التاسع عشر”؟ وهو انزلاق منهجي جسيم لم تنتبه إليه ربما اللجنة المشرفة، مقابل موضوع وحيد يخص “يهود تازة وضواحيها قبل الاستعمار: الجذور التاريخية والحالة الأمنية” للباحث عبد الغني العمراني. ونفس الانزلاق يسري للأسف على ما تعلق بقبيلتي بني وليد ومرنيسة، فهما لا تنتميان إلى مجال تازة (يتبعان حاليًا لإقليم تاونات).

صحيح أن ميدان المقاومة المسلحة شملهما معًا، كما شمل كل إقليم تازة الحالي، لكن كان من الأوفق بالأحرى تسليط الضوء على أنحاء تنتمي لنفس الإقليم الأخير، حتى تتعزز مصداقية الكتاب كمناطق بين الصفوف ومزكيتام وعين الحمرا (بالريف) ومنطقة باب مطيق (بالأطلس المتوسط) جنوب تازة مثلاً. وقد شهدت كل من بين الصفوف وباب مطيق في بداية سنة 1956 معركتين مشهودتين بين جيش التحرير والقوات الفرنسية. ناهيك عن أن مسألة الأسواق والسياحة لا تدخلان قطعًا في محور المقاومة كما لا يخفى، على حين تصب في نفس المحور ثلاثة مقالات غنية وتحمل الكثير من الحقائق حول المقاومة، كالنفوذ الألماني بتازة خلال الحرب العالمية الأولى، والبعد الحدودي في مقاومة قبائل شمال تازة، ثم المراكز العسكرية وثكناتها زمن الحماية.

وإذا جاء مقال “علم البيولوجيا في خدمة التاريخ” متخمًا ومتوفرًا على الانسجام المنهجي وفق المحور السادس للكتاب، فإن موضوع مقال “فرنسا في مرآة النخبة التازية” يتعلق بشخصية علامة ومؤرخ مغربي معروف هو الراحل عبد الهادي التازي وسفره إلى فرنسا سنة 1952 الذي كتب عنه فيما بعد، أي خلال أوج الأزمة بين الإقامة العامة والقصر الملكي الذي أبدى مواقف وطنية مشهودة، لصالح الحركة التحررية، وهو يطرح قضايا طريفة حقًا فيما يخص أعراف وعادات المجتمع الفرنسي ومقارنتها بنظيره المغربي. غير أن العلاقة المعنية بالمحور الخامس للكتاب تكاد تكون معدومة، فضلاً عن الموضوع العام للمؤلف.

هذا إذا أضفنا ما يمكن وصفه بـ”تعسف الانتماء”. يتضح أن المقال هو أقرب إلى أدب الرحلة منه إلى تازة أو حركتها الوطنية أو جيش التحرير الذي نشط في باديتها ومدينتها منذ 02 أكتوبر 1955، اللهم إذا استثنينا اسم العلامة المنسوب إلى تازة – وهو من مواليد فاس طبعًا، ونحن نعلم أن هناك 18 أسرة تسمى “التازي” في مدينة فاس، غير أنها فاسية المنشأ والإقامة كشأن العلامة الراحل عبد الهادي التازي، الذي لم يبد طيلة مساره العلمي ولو إشارة بسيطة في كل ما كتب أنه ليس فاسيًا. فهل بهذا المرتكز الهش يمكن إدماج رحلة العلامة عبد الهادي التازي إلى فرنسا باعتباره علمًا تازيًا (كذا)؟ أليس هذا نوعًا من التعسف المعرفي والمجالي والتصنيفي؟ لأن النص – كما سبق القول – ينتمي إلى مجال الرحلة لعلامة مغربي من فاس بكل بساطة.

لعلنا نختم هذا العرض بانحراف آخر وليس الأخير، متمثلاً في موضوع اقتصادي محض يخص زراعة الحبوب الأساسية في إقليم تازة “تحليل مجالي – كرونولوجي” Culture céréalière principale dans la province de Taza .analyse spatio – temporelle، وهو لا يتعدى من حيث العمق الزمني سنة 2006، ولا يربطه إلا الخير والإحسان بمحور الكتاب ككل. فكان بالأولى أن يشكل جزءًا مهمًا من مونوغرافية إقليم تازة، وليس ضمن كتاب أريد له أن يكون تاريخيًا. وشتان بين المجالين، ما يطرح سؤال الانسجام الموضوعاتي والمنهجي. والأمر برمته – فيما أتصور – من مسؤولية اللجنة العلمية المشرفة على الكتاب، دون أن يعني هذا أننا نبخس قيمته المضافة المتجلية في طبيعة بعض المواضيع وأهميتها العلمية والتاريخية.

The post وقفات في تاريخ تازة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress