مدينة صور جنوب لبنان تواجه الدمار الإسرائيلي... طبقات حضارية من فينيقيا إلى لبنان الحديث
إنّها واحدة من أكثر مدن الساحل الشرقي للمتوسط تعقيدًا من حيث التراكب الزمني بين الجغرافيا والبحر والعمران والذاكرة: إنها مدينة صور، جنوبي لبنان.
هي مدينة فينيقية كبرى ارتبط اسمها، في السرديات القديمة والحديثة معاً، بالأرجوان البحري، وبالتجارة بعيدة المدى، وبإنشاء مستعمرة قرطاجة المتوسطية المزدهرة، ثم تحولت بفعل ردم الإسكندر سنة 332 ق.م. من مدينة جزيرية إلى شبه جزيرة، وهو تحول جيومورفولوجي غيّر تاريخها العمراني والاقتصادي من دون أن يقطع صلتها الجوهرية بالبحر.
اليوم، تقوم القيمة العالمية الاستثنائية للموقع، كما صاغتها اليونسكو، على مكوّنين رئيسين: موقع المدينة على الرأس البحري، وموقع البص على البرّ القاري بما يضمّه من نيكروبوليس وقوس نصر وطريق أثري وقناة مائية ومضمار سباق خيل روماني من أضخم أمثلة العالم الروماني.

يدلّ تاريخ صور على أن المدينة لم تتغير بتحول سلطة واحدة، بل بتحول علاقة العمران بالموقع: من جزيرة إلى شبه جزيرة؛ من مرافئ فينيقية وتجارية إلى مشهد روماني تمثيلي؛ من مدينة مسيحية أسقفية إلى مركز ساحلي إسلامي - متوسطي؛ ومن مدينة صليبية حصينة إلى مركز محلي تقلّص دوره، ثم إلى مدينة لبنانية حديثة تُقرأ فيها الآثار داخل نسيج حيّ شديد الكثافة.
الجرد الأثري والمشهد المادي
أهم ما يميز صور أثرِياً أن عناصرها لا تُقرأ بوصفها "نقاطاً" منفصلة، بل بوصفها منظومة متكاملة من البرّ إلى البحر.
في موقع المدينة، وهو الموقع القائم على الرأس البحري/الجزيرة السابقة، تتصدر القائمة بقايا الحمّامات الرومانية، والآرينا، والشارع الروماني، والحي السكني، فضلًا عن بقايا الكاتدرائية اللاتينية التي بُنيت سنة 1127 على يد البنادقة، وبعض أسوار القلعة الصليبية، إلى جانب مجمع الحمّام - البازيليكا، والصهاريج، والقنوات، واللوحات الرخامية الزخرفية، بما يوسع صورة الموقع من كونه خرائب أثرية ضخمة إلى كونه سجلًا للعتاد العمراني والزخرفي والرمزي.
أما موقع البص، فهو المدخل القاري القديم للمدينة، ويجمع على نحو فريد بين البنية الجنائزية والبنية العرضية - الحضرية. ففيه النيكروبوليس الممتد على جانبي طريق أثري عريض، ويعلوه قوس نصر روماني من القرن الثاني الميلادي، وتجاوره القناة المائية الآتية من رأس العين، ومضمار سباق الخيل من القرن الثاني نفسه، وهو من أكبر أمثلة العالم الروماني الباقية. كما تتضمن المنطقة توابيت حجرية ورخامية كثيرة، وفسيفساء ونقوشاً يونانية في السياق الجنائزي - الكنسي، ما يجعل البص مختبراً لقراءة التحول من المدافن الفينيقية إلى الطقوس الرومانية - البيزنطية.

وفي الركن الجنوبي الشرقي من مجال البص كُشف منذ 1997 عن مقبرة فينيقية بالحرق تُعدّ في الأدبيات الحديثة من أغنى الأدلة على الطقس الجنائزي الصوري في العصر الحديدي، مع ما يقارب 320 جرة حرق في الحفريات المنشورة الأولى، ومع مجموعة فخارية متجانسة مرتبطة بطقوس الإعداد والاستهلاك، ولا سيما الشراب/النبيذ في السياق الجنائزي. وهذه المقبرة مهمة لأنها توفر صلة مادية مباشرة بين صور "التجارية" وصور "الطقسية"، وتُظهر بنية اجتماعية أكثر مساواة في المدفن الفينيقي مقارنة بالعرض الاجتماعي الأوضح في مدافن العصر الروماني.
وبخصوص المرافئ والآثار الغارقة، فإن الدراسات المينائية الحديثة رفعت من قيمة البعد البحري لصور من مجرد خلفية جغرافية إلى مكوّن أثري قائم بذاته. فقد أكد مسح 2013 في المرفأ الشمالي وجود منشأة مغمورة مرتبطة بالمرفأ الفينيقي، ويرجّح أنها قد تمثّل أكبر منشأة مرفئية مصنوعة بشرياً من العصر الحديدي في شرق المتوسط وربما أقدم مرفأ فينيقي محدّد أثرِياً في المتوسط.
وتشير اليونسكو نفسها إلى أن جزءاً مهمًا من موقع المدينة مغمور، وأن الامتداد الكامل للعناصر الكامنة في البر والبحر لم يُحدَّد نهائيًا بعد.
أما المشهد الصوري الأوسع، من رأس العين إلى الشواكير وتل معشوق، فيكتسب اليوم قيمة متزايدة في البحث والحماية. فالمسوحات الأخيرة كشفت عن أدوات صوانية من عصور سحيقة، وشظايا فخارية من العصر البرونزي، ومنشآت مائية وآثاراً مبنية في رأس العين.
القيمة الثقافية والدور الاجتماعي الاقتصادي
قيمة صور الثقافية تتجلّى أولاً في أنّها ذاكرة محلية حيّة. ففيها يتجاور الأثر المادي مع الاستعمال اليومي للبحر، والميناء القديم مع ميناء الصيادين، والميدان الأثري مع موسم المهرجانات، والكاتدرائية المعاصرة مع كنائس العصور المتأخرة والجامع القديم. ولهذا، يجب قراءة صور باعتبارها تراثاً متصلًا أكثر من كونها متحفاً في الهواء الطلق.

في باب التراث غير المادي، تشكل جماعة الصيادين عنصراً مركزياً في هوية المدينة. وتظهر الدراسات والمواد الإثنوغرافية الحديثة أن "شكل الحياة" الصيادي في صور ليس مهنة فقط، وإنّما نظام علاقات وطقوس وانتقالات مكانية ومهارات موروثة داخل المشهد الساحلي نفسه. وتوقُّف المراكب بسبب الحرب، لا يضرّ بالدخل وحده، ولكنه يقطع صلةً ثقافيةً طويلة بالبحر، وبالميناء، وبالأطعمة اليومية، وبإيقاع الفجر الساحلي. هذا يعني أن الصيد في صور تراث اجتماعي بقدر ما هو قطاع اقتصادي.
يتجلّى هذا البعد في المطبخ المحلي أيضاً؛ فصور مدينة سمك بامتياز، وتظهر المواد الحديثة المرجعية أطباقاً مثل الصيادية، والأسماك المشوية أو المقلية، كجزء من الذاكرة الساحلية اللبنانية في المدينة. المطبخ يعمل وسيطاً بين البحر والبيت والسوق والموسم، ويحفظ بذلك الذاكرة المهنية للمدينة داخل الاستعمال اليومي.
في الممارسات الدينية، تحمل صور طبقات متراكبة من القداسة. ففي العصور الفينيقية ارتبطت بعبادات محلية كبرى وبتمثيلات ملكارت/هرقل، كما تدلّ الأيقونوغرافيا والدراسات المتخصصة. وفي العصر البيزنطي برزت الكنائس والفسيفساء والذاكرة الأسقفية. وفي الحاضر لا تزال كاتدرائية القدس توما فضاءً للعبادة.
المشهد المسيحي الروحي يتّخذ طابعاً مختلفاً عن الصورة التقليدية للمسيحية اللبنانية الجبلية؛ فهو مشهد ساحلي مشرقي قديم، متجذّر في ذاكرة البحر والتجارة والكنائس الأولى والمرور المبكر للمسيحية عبر المرافئ الفينيقية. فالمدينة واحدة من أقدم المدن التي دخلتها المسيحية في المشرق، حتى إنّ سفر أعمال الرسل في الإنجيل يذكر أنّ القديس بولس توقّف فيها سنة 57 ميلادية وأقام أسبوعاً بين جماعة مسيحية ناشئة كانت موجودة في المدينة آنذاك.
تعرّضت كنائس صور الأولى للهدم خلال الاضطهادات الرومانية ثم أعيد بناؤها مراراً، ما جعل الذاكرة المسيحية في صور قائمة على فكرة الاستمرار رغم التحولات والعنف والحروب التي مرّت على المدينة عبر القرون. والذاكرة المحلية لا تزال تستعيد مرور السيد المسيح في نواحي صور وصيدا بحسب الروايات الإنجيلية والشعبية، وهو ما منح المدينة مكانة رمزية في المخيال المسيحي الشرقي.

ويُشكّل المشهد الإسلامي الروحي امتداداً لذاكرةٍ طويلة تتداخل فيها طبقات التاريخ والبحر والفقه والتصوف والشعائر الشعبية الجنوبية. فمنذ دخول المدينة في العصر الإسلامي المبكر، تحوّلت صور إلى واحدة من مدن الساحل التي عرفت الجوامع ومجالس العلم والقضاء، وكان الجامع القديم أو قلب هذا الحضور الروحي، إذ تشير المصادر إلى أنّ أول مسجد أُقيم فيها يعود إلى عهد الخلافة الراشدة، قبل أن يمرّ عبر العصور الفاطمية والمملوكية والعثمانية، شاهداً على تحولات المدينة السياسية والدينية.
الروح الإسلامية في صور تتجلّى في المزاج الديني الجنوبي؛ ذلك المزيج بين التدين الشعبي والوجدان العاشورائي والهدوء البحري المتوسطي. ففي أحياء المدينة القديمة وبلدات قضاء صور، تتجاور المساجد والحسينيات والمقامات، وتتحول المناسبات الدينية، خصوصاً في عاشوراء وشهر رمضان والمولد النبوي، إلى جزء من الإيقاع الاجتماعي والثقافي اليومي.
ويبرز أيضاً البُعد المقامي والولائي في المشهد الروحي لصور ومحيطها، من خلال مزارات تاريخية مثل مقام شمعون الصفا في بلدة شمع، وهو مقام شيعي قديم يرتبط بتقاليد محلية ترى في المكان مدفناً للقديس بطرس/شمعون الصفا، وقد أعيد بناؤه أو ترميمه في العصر الفاطمي. هذا التداخل بين الرموز الإسلامية والسرديات التاريخية الشرقية يمنح الجنوب اللبناني طابعاً روحياً خاصاً، تختلط فيه الذاكرة الدينية بالتاريخ الشعبي والأسطورة المحلية.
تكمن القيمة الثقافية لصور في أنها مدينة تتكلم بلغاتٍ تاريخية كثيرة من غير أن تفقد وحدتها: لغة البحر والمرفأ، ولغة القداسة، ولغة السوق، ولغة الذاكرة المحلية. صون مدينة صور، التي تواجه آلة الدمار الإسرائيلية، لا يعني حماية خرائب "عظيمة" فحسب، وإنّما حماية نظامٍ كامل من المعاني يربط البرّ بالبحر، والحجر بالناس، والتاريخ القديم بالحاضر اللبناني.