وثيقة أكاديمية نُشرت العام الماضي تحذر إسبانيا من سيناريو “حرب هجينة” في سبتة ومليلية من جانب المغرب
قدّمت ورقة سياسات صادرة عن كلية أوروبا في ناتولين بالعاصمة البولندية، رؤية تعتبر أن المدينتين تمثلان إحدى أبرز بؤر التحديات الجيوسياسية لإسبانيا خلال السنوات المقبلة، محذرة من احتمال تعرضهما لما تصفه بـ”عمليات حرب هجينة” من جانب المغرب، وداعية الحكومة الإسبانية إلى تبني استراتيجية طويلة الأمد تقوم على الردع والوقاية وتحديث القدرات العسكرية وتعزيز النفود الاقتصادي والسياسي، مع الحفاظ على التعاون الاقتصادي مع الرباط ضمن مقاربة تقلل المخاطر بدلاً من فك الارتباط.
واعتمدت الورقة التي نشرت ضمن المجلد (5) العدد 2 لسنة 2025، على تحليل سياساتي واستراتيجي مدعوم بمراجعة واسعة للأدبيات والدراسات والتقارير الرسمية. وتنطلق من فرضية مفادها أن “المطالب المغربية بالسيادة” على المدينتين، إلى جانب استخدام وسائل ضغط غير تقليدية، يفرض على مدريد إعداد استراتيجية استباقية للتعامل مع سيناريوهات التصعيد المحتملة، مع التشديد في الوقت نفسه على أن الحلول السلمية والعادلة يجب أن تظل الخيار المفضل.
وبحسب الباحثان ألفارو رودريغيث وجوديت سولي، تكتسب سبتة ومليلية أهمية استثنائية بسبب موقعهما عند مضيق جبل طارق باعتبارهما، وفق توصيفها، أول بوابة للاتحاد الأوروبي نحو إفريقيا، وهو ما يجعلهما مرتبطتين بقضايا السيطرة على الموارد، وإدارة طرق الهجرة، والأمن والدفاع، والعلاقات الثنائية بين المغرب وإسبانيا.
ويرى معدا الورقة أن أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة سنة 2021 مثلت أحدث وأبرز مظاهر الضغط على إسبانيا، مشيرة إلى تصريحات رئيس مجلس المستشارين المغربي النعم ميارة سنة 2023 بشأن المدينتين باعتبارها جزءاً من السياق السياسي الذي تستند إليه في تحليلها.
وفي الجانب السياسي والقانوني، تعتبر الوثيقة الأكاديمية أن استمرارية السياسة الخارجية المغربية، بحسب تحليلها، ترتبط بالدور المركزي للمؤسسة الملكية، كما تشير إلى ما تصفه باستمرار حضور فكرة “المغرب الكبير” في بعض الخطابات السياسية، وترى أن ذلك ينعكس على العلاقات مع إسبانيا والجزائر وقضية الصحراء. كما تناقش الورقة الأبعاد القانونية المتعلقة بحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، معتبرة أن أي اعتداء محتمل على المدينتين سيطرح نقاشاً بشأن آليات الدفاع الجماعي، مع ترجيح حصول إسبانيا على دعم سياسي وأمني من الحلف والاتحاد الأوروبي استناداً إلى المعاهدات الأوروبية والمفهوم الاستراتيجي للحلف.
وتشير الورقة إلى أن المغرب رفع ميزانية الدفاع إلى 11.3 مليار يورو بحلول 2024، مع مواصلة تحديث قواته المسلحة من خلال اقتناء تجهيزات عسكرية متقدمة من إسرائيل والولايات المتحدة والصين، والتفاوض بشأن طائرات مسيرة تركية، معتبرة أن هذه التطورات تقرب القدرات العسكرية المغربية من نظيرتها الإسبانية وقد تفضي، من وجهة نظر معدي الورقة، إلى سباق تسلح إقليمي وتزايد احتمالات التوتر في غرب البحر الأبيض المتوسط، وهو ما يدفعها إلى الدعوة لتحديث القوات المسلحة الإسبانية والاستعداد لسيناريوهات متعددة، بينها هجوم مباشر أو تصاعد المنافسة العسكرية في المنطقة.
وفي البعد الاجتماعي، تبرز الوثيقة الخصوصية الديموغرافية والثقافية لسبتة ومليلية، مشيرة إلى أن المدينتين تضمان خليطاً من المسيحيين والمسلمين واليهود والأمازيغ والصينيين والهندوس والغجر، وأن ما بين 40% و45% من السكان يعرفون أنفسهم بأنهم مسلمون، إضافة إلى وجود نسبة معتبرة من السكان ذوي الأصول المغربية أو المرتبطين ثقافياً ولغوياً وعائلياً بالمغرب.
وترى الورقة أن هذا التنوع يمثل أحد العناصر المؤثرة في المشهد السياسي والاجتماعي، وقد يتحول، بحسب تصورها، إلى عامل هشاشة في حال تصاعد التوترات، الأمر الذي يدفعها إلى الدعوة لتعزيز الأمن والتعاون الأوروبي وإعادة تقييم السياسة الإسبانية تجاه المغرب.
وتقترح الوثيقة استراتيجية تقوم على ثلاثة محاور رئيسية، يتمثل أولها في اعتماد سياسة “تقليل المخاطر” في الاستثمارات الإسبانية بالمغرب، بما يحافظ على الحضور الاقتصادي الإسباني دون نقل التقنيات وسلاسل الإمداد الحساسة، مع استخدام العلاقات الاقتصادية كوسيلة ردع متبادل وتعزيز النفوذ الإسباني، إضافة إلى توظيف الدبلوماسية الثقافية لمواجهة ما تعتبره الورقة روايات قومية مغربية بشأن المدينتين.
أما المحور الثاني فيركز على تحديث القوات المسلحة الإسبانية وتعزيز الصناعات الدفاعية والقدرات السيبرانية، في حين يدعو المحور الثالث إلى بناء توافق سياسي داخلي، وتعزيز التنسيق مع الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة، وإطلاق حملة لتغيير النظرة المجتمعية إلى قضايا الدفاع والأمن القومي.
وتوصي الورقة كذلك بإنشاء آلية حوار منتظمة بين الحكومة الإسبانية وكبرى الشركات المستثمرة في المغرب بهدف حماية سلاسل التوريد والأصول الاقتصادية ذات الأهمية الاستراتيجية، إلى جانب إنشاء صندوق لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة العاملة في الصناعات الدفاعية، وتشجيع البحث والتطوير، وتبسيط إجراءات الصفقات العمومية.