هل يخيفهم حزب العدالة والتنمية ؟

واضح أن حزب العدالة والتنمية لم ينته كما توهمنا بعد انتخابات 2021. فالمشهد الإعلامي المغربي، الذي تحولت بعض منابره  إلى ما يشبه المقصلة التي تشتهي رأس الحزب الإسلامي، يؤكد أنه لم ينته، وأن عودة اسمه إلى واجهة النقاش العمومي لم تعد مجرد حنين إلى مرحلة سياسية سابقة، بل مؤشر على تحولات أعمق داخل المشهد الحزبي المغربي مع اقتراب الانتخابات التشريعية 2026.

منذ الهزيمة القاسية التي تعرض لها الحزب سنة 2021، ساد اعتقاد واسع بأن العدالة والتنمية دخل مرحلة النهاية السياسية التي شبهها العديد من المتابعين بنهاية حزب الاتحاد الاشتراكي بعد حكومة عبد الرحمن اليوسفي. فقد خسر البيجيدي بشكل شبه كامل حضوره المؤسساتي، وحدث ما يشبه الرجة داخل هياكله التنظيمية وكلنا نتذكر واقعة “ورق الزبدة” التي اعتقدنا جميعا أنها بداية لمرحلة العبث التي دخلها الحزب.   وهو فعلا كان اعتقادا مؤسسا على وقائع مستقاة من خطابات زعماء الحزب وخرجاتهم الاعلامية. إلا أن ما حدث بعد ذلك وضعنا جميعا في موقف حرج بسبب قراءتنا الخاطئة لوضعية الحزب، فقد أسقطنا واقع تجارب حزبية سابقة على حزب اسلامي له خصوصيته التي تجاهلناها متوهمين أن الأحزاب جميعها في كفة واحدة وسط بيئة سياسية بمداخل ومخارج متشابهة.

حينها، كان لزاما علينا أن نعيد قراءة المشهد بنوع من الهدوء لنكتشف  أن ما حدث لم يكن نهاية بل كان عملية استشفاء عبر التموقع في المعارضة التي لم تكن مجرد معارضة بل كانت علاجا شعبيا ونفسيا للحزب. فقوة الحزب الخطابية والتواصلية مكنته من استعادة البعض من توازنه خاصة في تواجد رجل بقوة عبد الاله بن كيران.

في هذا السياق، فالأكيد أن  شخصية بن كيران هي الأس المركزي  في بعث الروح في جسد الحزب. فالرجل، رغم الجدل الكبير حوله، لا يزال يمتلك قدرة خاصة على تحريك النقاش العمومي وصناعة الاستقطاب. وهو يدرك أن السياسة لا تبنى فقط داخل المؤسسات، بل أيضا داخل المجال الرمزي والإعلامي. لذلك عاد بخطاب أقرب إلى استنهاض الهوية السياسية للحزب وربطها بفكرة الاستهداف والصمود، وهي عناصر فعالة عادة في إعادة تعبئة القواعد الحزبية وخلق امتداد جماهيري جديد خاصة بعد الهزائم.

هذا الحضور الاعلامي المكثف للحزب في الفترة الأخيرة قابله نوع من العداء الاعلامي الذي يرى أن الحزب يجب أن توضع في وجهه المتاريس حتى لا يوصل صوته للناخب المغربي. إلا أن الذين يقفون خلف هذا النوع من الاعلام تجاهلوا أن هذا  من الخطاب هو الذي يؤسس عليه الحزب الاسلامي قوته لأنه يجيد استغلاله بنوع من المسكنة والمظلومية. فالدعوات إلى حل الحزب، ومنعه من القنوات الاعلامية الرسمية، بل وأيضا اتهامهم بالشيوعية والتشيع من قبل رئيس احدى الجلسات البرلمانية… قلت هذه الدعوات كلها تضاعف من قوة الحزب وتزيد من امكانية عودته بقوة خلال الانتخابات القادمة. فمن حسن حظ هذا الحزب أن خصومه لا يجيدون اللعب، أو بالأحرى هم مقتنعون أن معادلة الناخبين ليست هي المحدد الأساس في نتائج الانتخابات لذلك فهم ينتجون هذا النوع من الخطاب الموجه لجهة ثالثة لا ندريها.

ومع ذلك، فإن الحديث عن عودة الحزب يبدو حديثا سابقا لأوانه، لذلك  يجب أن يبقى ضمن حدود التحليل الواقعي لا الانطباعي. فالعدالة والتنمية لا يزال يواجه تحديات حقيقية أهمها خلق جسر ثقة جديد بدل الذي انهار بينه وبين فئات واسعة من المغاربة الذين صوتوا للحزب خلال ولايتين متتاليتين لكنه خيب ظنهم وانتظاراتهم، كما أنه ملزم بمحاولة استقطاب جيل جديد من الناخبين.

لذلك، فالأصوب ربما ليس القول إن العدالة والتنمية عاد كما كان، بل إنه عاد كفاعل لا يمكن تجاهله، فاعل بدأ يخيف خصومه من جديد كما كان يفعل بعد 2011 خاصة ونحن أمام واقع سياسي فارغ وبارد. لذلك نعتقد أن بمقدور الحزب أن يعود بشكل كامل فالمشهد الحزبي الحالي لم ينجح بعد في خلق بديل يمتلك الحيوية نفسها داخل الرأي العام.

اقرأ المقال كاملاً على لكم