هرمز… ملح الجغرافيا على مائدة السياسية الدولية

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

المحامي ربيع حنا طنوس

 

 

 

ليست كل الأمكنة متساوية في ميزان التاريخ، فبعضها يتجاوز حدود المكان، ليصبح جزءاً من حسابات القوة ومصائر الدول. فالجغرافيا ليست مجرد خطوط تُرسم على الخرائط، بل قد تتحول في لحظات التحول الكبرى، إلى عنصر فاعل في صناعة السياسة، والى عامل يعيد ترتيب الأولويات حين تضيق الخيرات.
وكما أن الملح لا يصنع الطعام، لكنه يمنحه نكهته وضرورته، كذلك بعض المواقع لا تصنع السياسة الدولية وحدها، لكنها تمنحها طابعاً خاصاً عندما تدخل في صلب الصراعات الكبرى. ومن بين هذه المواقع يبرز مضيق هرمز، ذلك الممر البحري الضيق الذي يفصل بين شبه الجزيرة العربية والجمهورية الاسلامية الايرانية، لكنه يفتح في الوقت نفسه طريقاً حيوية لحركة الطاقة والتجارة العالمية.
لم تكن أهمية هذا الممر وليدة أزمة عابرة، بل هي نتاج موقع استراتيجي جعل منه أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. فالمضائق لا تقاس بمساحتها، بل بما تختزنه من تأثير في حركة الاقتصاد والأمن الدوليين. وعندما يصبح أي اضطراب فيها قادراً على التأثير في مصالح مشتركة، تتحول من مجرد ممرات جغرافية الى عناصر حاضرة في معادلات القوة.
ومع ذلك، لم يكن مضيق هرمز في بداية المواجهة بين الولايات المتحدة الاميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية ضمن الملفات المعلنة التي تصدرت المشهد السياسي. فقد انصرفت الانظار الى البرنامج النووي الإيراني، ومستويات التخصيب، والبرنامج الصاروخي، والنفوذ الإقليمي، والدور الذي تلعبه طهران عبر أذرعها في المنطقة. كانت هذه الملفات هي العناوين الأساسية على طاولة الخلاف، بينما بقي هذا الممر خارج دائرة الإعلان المباشر.
 غير أن بعض الأوراق لا يظهر منذ اللحظة الاولى، بل يكشف عن وزنها عندما تتغير طبيعة الصراع. فالمضيق لم يكن غائباً عن الحسابات الاستراتيجية، لكنه بقي كامناً في الجغرافيا إلى أن جاءت اللحظة التي جعلت منه ورقة ذات حضور. وعندما تصاعد التوتر، طفت هذه الورقة على وجه الماء، فلم يعد المضيق مجرد ممر بحري ذي أهمية اقتصادية، بل أصبح عاملاً استراتيجياً فرض نفسه على حسابات الأطراف كافة. لكن الموقع لا يُقرأ فقط بلغة السياسة والقوة، بل أيضاً بلغة القانون الدولي. فالمضائق البحرية ذات الأهمية الدولية تخضع لمبادئ وقواعد تهدف إلى تحقيق التوازن بين حقوق الدول المحيطة ومبدأ حرية الملاحة الدولية. ومن هنا تتضاعف حساسية هذا الممر، فهو ليس مجرد مساحة تتنافس عليها الإرادات، بل طريق تربط حركته بمصالح دولية واسعة تجعل أي توتر حوله يتجاوز حدود المنطقة. ومن هنا تظهر المفارقة الأساسية: فالجغرافيا لا تلغي السياسة، لكنها تكتشف أحياناً أن المكان نفسه يصبح ملفاً قائماً بذاته. وهذا ما حدث مع مضيق هرمز، إذ لم يعد السؤال محصوراً بالبرامج النووية والصاروخية أو النفوذ الإقليمي، بل اتسع ليشمل قدرة كل طرف على توظيف موقع جغرافي بالغ الحساسية. وعليه لم تعد ورقة هرمز ملكاً لطرف واحد، بل أصبحت واقعاً فرضته الجغرافيا على الجميع. 
القوة في العلاقات الدولية لا تقوم على ما تملكه الدول من إمكانات عسكرية واقتصادية فحسب، بل على قدرتها على تحويل عناصر القوة المتاحة لديها إلى تأثير سياسي فعّال. وعندما دخل المضيق إلى صلب المشهد، لم يضف ملفاً جديداً الى قائمة الخلافات فحسب، بل أعاد ترتيب الأولويات. فقد أصبحت المواجهة لا تدور فقط حول ما تريده الدول، بل أيضاً حول ما تستطيع الجغرافيا أن تمنحه أو تمنعه.
 عند هذا الحد وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام اختبارٍ يتجاوز مفهوم القوة العسكرية الى اختبار يتعلق بالقدرة على إدارة التوازنات والحفاظ على قواعد النظام الدولي. فالقوة لا تقاس فقط بحجم الأدوات، بل بمدى القدرة على استخدامها في لحظة تتداخل فيها المصالح والقواعد والوقائع.
وفي المقابل، أظهرت التجربة الايرانية أن الموقع الجغرافي قد يمنح الدول أوراقاً إضافية في لحظات الصراع. فالجغرافيا لا تضمن الانتصار، لكنها قد تمنح قدرة على التأثير وعلى تشكيل مسار التفاوض.
لقد أعاد مضيق هرمز التذكير بحقيقة عميقة في العلاقات الدولية: أن الخرائط ليس رسوماً صامته، بل تحمل في داخلها احتمالات التاريخ. فبعض المواقع لا تكشف قيمتها في أوقات الاستقرار، بل تظهر عندما تختبرها الأزمات وتحتاج إليها الدول. وهكذا بقي هرمز أكثر من بوابة وأكثر من ممر بحري. إنه مثال على عودة الجغرافيا الى قلب السياسة الدولية، وعلى أن العالم، مهما تطورت أدواته لا يزال محكوماً بقوة المكان. فحين تطبق السياسة بأوراقها، تتكلم الجغرافيا. وحين تبحث الدول عن عناصر القوة تعود الى السؤال الاول: من يملك الموقع، ومن يعرف كيف يحوّل الموقع إلى نفوذ؟ وربما تكمن خصوصية هرمز في أنه لم يكن يوماً مجرد مضيق بين دفتين، بل كان دائماً ملح الجغرافيا على مائدة السياسة الدولية.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية