"فيفا" يبيع ما لا يملكه من ذاكرة الشعوب
لم تعد كرة القدم مجرد لعبة منذ زمن بعيد. إنها لغة عالمية نادرة، يفهمها طفل في قرية أفريقية كما يفهمها مشجع في مدريد أو بوينس آيرس أو القاهرة. وهي أيضاً ذاكرة شخصية وجماعية، مباريات ارتبطت بطفولة أجيال كاملة، وأهداف تحولت إلى علامات في تاريخ الشعوب، وهزائم بقي ألمها حاضراً بعد مرور عقود.
ولهذا فإن محاولة تحويل كأس العالم إلى أصل استثماري لا تمثل مجرد تغيير في طريقة إدارة بطولة رياضية، بل تثير سؤالاً أعمق، من يملك كرة القدم؟ وهل يحق للمؤسسة المؤتمنة على تنظيمها أن تبيع جزءاً من قيمتها المستقبلية إلى مستثمرين لا تربطهم باللعبة إلا حسابات العائد والربح؟
من هنا جاءت المواجهة غير المسبوقة بين الاتحاد الدولي لكرة القدم والاتحاد الأوروبي. فقد صوتت الاتحادات الأوروبية الـ55 بالإجماع على مقاطعة بطولات "فيفا" إذا استمر جياني إنفانتينو في مشروعه الخاص بإنشاء شركة جديدة تحمل اسم "FIFA Forward Enterprise، تتولى النشاطات التجارية والتشغيلية المرتبطة بكأس العالم وبطولات الاتحاد الدولي.
وبحسب الخطة ستبلغ قيمة الشركة نحو 20 مليار دولار، مع إتاحة حصة أقلية تصل إلى 20 في المئة أمام مستثمرين خارجيين، بهدف جمع ما قد يصل إلى 4.2 مليارات دولار. ويؤكد «فيفا» أنه سيحتفظ بالسيطرة الكاملة على الشركة، وبالسلطة الحصرية على قوانين اللعبة وجدول المباريات ونظام البطولات والقرارات الرياضية. كما يقول إن المستثمرين لن يشاركوا في الإدارة التشغيلية، وإن الأموال الجديدة ستستخدم في تطوير كرة القدم في الدول الأعضاء.
ويقدم إنفانتينو عرضاً يصعب تجاهل جاذبيته، خصوصاً لدى الاتحادات الصغيرة والفقيرة. فبدلاً من ثمانية ملايين دولار لكل اتحاد في دورة التمويل بين 2027 و2030، يقترح "فيفا" رفع المبلغ إلى 20 مليوناً، إضافة إلى برنامج اختياري يتيح لكل اتحاد الحصول على 20 مليون دولار أخرى لمرة واحدة، تُخصص للملاعب والتدريب والمنتخبات وكرة القدم النسائية والناشئين.
نحن لسنا أمام مشروع يخلو تماماً من المنطق. كرة القدم تحتاج إلى التمويل، والفجوة بين الدول الغنية والفقيرة تتسع، فيما تتركز العوائد الكبرى في عدد محدود من الأسواق والأندية والدوريات. وإذا استطاع "فيفا" تحويل القيمة التجارية الهائلة لكأس العالم إلى ملاعب ومدربين وفرص حقيقية في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، فسيكون من السهل الدفاع عن الفكرة.
لكن الاعتراض لا يتعلق بالهدف المعلن فحسب، وإنما بالطريق المؤدية إليه، وبالثمن الذي ستدفعه اللعبة لاحقاً.
الاستثمار الخاص
المستثمر الخاص لا يضع أربعة مليارات دولار في مؤسسة خيرية. إنه يشتري تدفقات نقدية مستقبلية، وينتظر عائداً على أمواله. وحتى إذا ظل "فيفا" مالكاً لحصة الغالبية، فإن دخول مساهمين من القطاع الخاص يعني أن زيادة الإيرادات لن تبقى خياراً، بل ستصبح التزاماً دائماً. وعندها سيظهر الضغط من أجل مزيد من المباريات، وبطولات أطول، وأسعار تذاكر أعلى، وحقوق بث أكثر تكلفة، وفواصل إعلانية إضافية، ومواعيد تراعي الأسواق الأكثر ربحاً، وربما إقامة المباريات حيث توجد الأموال لا حيث توجد الحاجة الرياضية أو العدالة الجغرافية. قد لا يطلب المستثمر التدخل في اختيار الحكم أو تشكيل المنتخب، لكنه سيملك مصلحة مباشرة في شكل البطولة وعدد مبارياتها ومواقع إقامتها وطريقة بيعها للجمهور.
وهنا تكمن دلالة اعتراض أوروبا. فقد قال "يويفا" إن كأس العالم لا يمكن التعامل معها باعتبارها منتجاً استثمارياً، لأنها إرث صنعته أجيال من اللاعبين والمنتخبات والمشجعين، وإنه لا يملك أحد "السلطة الأخلاقية لبيع ما يحتفظ به أمانة للأجيال المقبلة". وأعلن أن منتخباته لن تشارك في مسابقات "فيفا" ما دامت الخطة قائمة، ما لم تُسحب بالكامل وتُقدَّم ضمانات ملزمة بعدم فتح البطولات أمام الملكية الخاصة مستقبلاً.
الموقف الأوروبي ليس مجرد دفاع عن القيم. "يويفا" نفسه يدير بطولاتٍ تجارية شديدة الثراء، ويبيع حقوق البث والرعاية، ويعيد تصميم مسابقاته لزيادة الإيرادات. الصراع أيضاً يتضمن مواجهة على النفوذ والمال بين الاتحادين. أوروبا تخشى توسع قوة "فيفا" التجارية بما يهدد دورياتها وبطولاتها وأجندتها، تماماً كما تخشى على ما تسميه روح اللعبة.
لكن وجود مصالح أوروبية لا يجعل الاعتراض بلا قيمة. فهناك فارق بين بيع الحقوق التجارية لفترة محددة وبين بيع حصة ملكية دائمة في الكيان الذي يدير هذه الحقوق. العقد ينتهي ويمكن إعادة التفاوض عليه، أما المساهم فيبقى، وتصبح مطالبه جزءاً من بنية القرار.
ولذلك، فإن القضية ليست في ما إذا كان "فيفا" سيحتفظ بـ80 في المئة أو أكثر من الشركة، وإنما في المبدأ الذي سيترسخ. فبمجرد قبول أن كأس العالم أصل يمكن تقسيمه إلى حصص، يصبح ممكناً لاحقاً بيع حصة أخرى، أو إدخال مستثمرين جدد، أو استخدام إيرادات البطولة ضماناً لصفقات مالية أكبر. وما يبدأ باعتباره تمويلاً للتنمية قد ينتهي بتحويل أهم مناسبة شعبية على سطح الأرض إلى منصة استثمارية تديرها حسابات الأسواق.
لا كأس بلا جماهير
كأس العالم ليست ملكاً قانونياً للجماهير، لكنها من دون الجماهير لا تساوي شيئاً. قيمتها لم يصنعها إنفانتينو ولا المبنى الإداري لـ"فيفا"، وإنما صنعها الذين تابعوا المباريات في المقاهي والبيوت والساحات، والذين ارتبطت أعمارهم بأسماء بيليه ومارادونا وزيدان وميسي ولامين يامال، والذين وجدوا في تسعين دقيقة فرصةً نادرة للشعور بالانتماء والعدالة والأمل.
هذا لا يعني إخراج المال من كرة القدم، فالمال أصبح جزءاً لا يمكن فصله عنها. المطلوب هو وضع حدود واضحة لما يستطيع المال شراءه. يستطيع شراء حقوق الإعلان والبث والرعاية، لكنه لا ينبغي أن يشتري موقعاً دائماً داخل ملكية الذاكرة الجماعية للعبة.
قد يستطيع "فيفا" بيع حصة في الشركة التي تدير كأس العالم. لكنه لا يستطيع الادعاء أنه يبيع مجرد نشاط تجاري. فعندما تكون السلعة محملة بتاريخ الشعوب وأحلامها وذكرياتها، يصبح بيع جزء منها أكثر بكثير من صفقة مالية. يصبح بيعاً لجزء من المعنى.