نيكول باشينيان يفكك نفوذ الشتات
يُقدَّر حجم الشتات الأرمني في العالم بنحو 7 إلى 9 ملايين شخص، وهو ما يمثل الغالبية الساحقة من الشعب الأرمني البالغ عدده قرابة 11 مليوناً، بينما يقيم نحو 3 ملايين فقط داخل جمهورية أرمينيا. ويعني ذلك أن الأرمن المنتشرين خارج وطنهم يشكلون قوةً ناعمة مؤثرة ساهمت في حضارات وثقافات عديدة، كما دعمت باستمرار قضايا الوطن الأم، قديماً وحديثاً.
غير أن الإدارة الحالية في أرمينيا، برئاسة نيكول باشينيان، التي تستمد شرعيتها من فوز حزب "العقد المدني" في الانتخابات البرلمانية، وتنتهج سياسة تقارب مع الغرب والاتحاد الأوروبي، وتسعى إلى تنويع شركائها الاستراتيجيين والاقتصاديين بعد الهزيمة العسكرية أمام أذربيجان، بدأت تتبنى سياسةً تحدّ من تأثير الشتات في الداخل. وترى الحكومة أن روسيا التي حمّلتها يريفان جانباً من مسؤولية الهزيمة بسبب امتناعها عن تقديم الدعم العسكري الكافي، قد تستخدم الجالية الأرمنية الكبيرة على أراضيها، التي يزيد عددها على مليونين، للتأثير في المشهد السياسي الأرميني.
وتخشى حكومة باشينيان التي تواجه ضغوطاً اقتصادية وتجارية من موسكو، من أن يتحول هذا النفوذ إلى عاملٍ يهدد استقرارها السياسي، في وقت تراهن فيه على توثيق شراكتها مع الغرب، وصولاً إلى تعزيز التعاون مع حلف شمال الأطلسي، وهو مسار يثير قلق روسيا التي تعد جنوب القوقاز جزءاً من مجالها الحيوي.
عزل الشتات الأرمني
لطالما احتفظ أبناء الشتات الأرمني بحقوقهم السياسية، وشاركوا في انتخابات الداخل. لكن الجمعية الوطنية الأرمينية (البرلمان) أقرت، في 3 تموز/يوليو 2026، تعديلات تشترط إقامة فعلية داخل أرمينيا لمدة لا تقل عن 366 يوماً خلال العامين السابقين للانتخابات، على أن يُحتسب ذلك وفق سجلات عبور الحدود الرسمية، وهو ما قيّد بصورة كبيرة قدرة أبناء الشتات على التصويت.
وقد تقدم بهذا المشروع نواب من حزب "العقد المدني" الذي يتزعمه رئيس الوزراء نيكول باشينيان بعد فوزه في انتخابات 7 حزيران/يونيو بنسبة 49.8%، مؤكدين أن الهدف هو ضمان مشاركة ناخبين على دراية بالأوضاع الداخلية والتحديات التي تواجه البلاد. في المقابل، وصفت المعارضة هذه التعديلات بأنها مخالفة للدستور، وأعلنت عزمها على الطعن فيها أمام المحكمة الدستورية، معتبرة أنها ستؤدي إلى تقليص أعداد الناخبين المؤهلين، ولاسيما منهم العمال المهاجرين والمقيمين في روسيا، كما ستخفض نسبة المشاركة الفعلية في أي استفتاءات مستقبلية.
باشينيان في مواجهة الشتات
ظل الشتات الأرمني، لعقود، أحد أبرز المدافعين عن القضايا الأرمنية عبر جماعات الضغط المنتشرة في العالم. إلا أن باشينيان يبدو عازماً على تقليص هذا الدور، انطلاقاً من رؤيته لبناء دولة أكثر استقلالاً في قرارها السياسي. وفي إطار هذا التوجه، شرعت حكومته في تحسين العلاقات مع تركيا، الداعم الأول لأذربيجان، فوقعتا في أيار/مايو الماضي اتفاقاً رمزياً لترميم جسر آني التاريخي، تمهيداً لإعادة فتح الحدود واستئناف التبادل التجاري المباشر بعد سنوات من اعتمادهما على دول ثالثة.
كما ينظر باشينيان إلى نماذج الاستقرار السياسي في تركيا وأذربيجان بفعل هندسة الديموقراطية، باعتبارها عاملاً مساعداً على تعزيز الأمن وتحفيز الاقتصاد. ومن هذا المنطلق، يسعى إلى تقليص نفوذ منظمات الشتات داخل الحياة السياسية، باعتبارها، من وجهة نظر حكومته، مصدراً لتأثيراتٍ خارجية تمس السيادة الوطنية. ويؤكد هذا التوجه اعترافه بكراباخ جزءاً من أذربيجان، وسعيه إلى إبرام معاهدة سلام شاملة، بالتوازي مع دمج أرمينيا في الاستراتيجية الغربية في منطقة جنوب القوقاز وآسيا.