ناشط ريفي يوجه رسالة مفتوحة إلى رئيس وزراء إسبانيا بمناسبة الذكرى المئوية لحرب الريف
وجه الناشط الريفي فريد ايث لحسن رسالة مفتوحة إلى رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، دعا فيها مدريد إلى الاعتراف بما وصفه بالإرث التاريخي لحرب الريف، وذلك تزامنا مع الذكرى المئوية لنهاية النزاع الذي دار بين القوات الاستعمارية الإسبانية ومقاتلي منطقة الريف شمال المغرب خلال الفترة الممتدة بين سنتي 1921 و1926.
وقال صاحب الرسالة، التي ينشرها موقع “لكم”، إن حرب الريف لا تمثل مجرد مواجهة عسكرية في سياق استعماري، بل تشكل محطة مفصلية في التاريخ المشترك بين إسبانيا ومنطقة الريف، لما خلفته، بحسب تعبيره، من آثار اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية ما تزال ممتدة إلى الحاضر.
ودعا الناشط الريفي الحكومة الإسبانية إلى فتح الأرشيف المرتبط بتلك المرحلة، والاعتراف الرسمي بما اعتبره انتهاكات وقعت خلالها، وعلى رأسها استخدام الأسلحة الكيماوية ضد السكان المدنيين، إضافة إلى دعم البحث الأكاديمي المستقل وتمكين الباحثين من الوصول إلى الوثائق التاريخية ذات الصلة.
واعتبر أن معالجة هذا الملف تندرج ضمن مبادئ حقوق الإنسان والحق في الحقيقة والإنصاف، مشيرا إلى أن التعامل مع إرث الماضي لم يعد، في نظره، مقتصرا على الكتابة التاريخية، بل أصبح جزءا من مسارات العدالة الانتقالية ومعالجة آثار الاستعمار.
كما أشار في رسالته إلى تاريخ 25 ماي 1926، الذي صادف نفي الزعيم الريفي محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى المنفى، معتبرا أن ذلك التاريخ يمثل لحظة مفصلية في الذاكرة الجماعية لسكان الريف ونهاية مشروع سياسي تحرري مغربي قاد مقاومة ضد الاستعمار.
وفي ما يلي نص الرسالة:
سعادة رئيس الحكومة الإسبانية، السيد بيدرو سانشيز،
تحية احترام وتقدير،
أكتب إليكم هذه الرسالة من موقع يتجاوز حدود التعبير الفردي، ليتموضع ضمن أفق الذاكرة الجماعية غير المكتملة، ومن داخل سردية تاريخية لم تستكمل شروط إنصافها بعد. لا أتوجه إليكم كمؤرخ يسعى إلى إعادة تركيب الوقائع في بعدها الزمني الصرف، ولا كباحث أكاديمي يشتغل على تأويل الأرشيف وفق مناهج معرفية محايدة، بل كحفيد وإرادة ريفية حرة وامتداد حي لذاكرة جمعية ما تزال عالقة بين صمت رسمي مستمر واعتراف مؤجل لم يتحقق.
إن موضوع هذه الرسالة يتعلق بما يعرف تاريخيا بحرب الريف (1921–1926)، وهي ليست مجرد مواجهة عسكرية ضمن سياق استعماري تقليدي، بل تمثل لحظة مفصلية في التاريخ المشترك بين إسبانيا وبلاد الريف، لما خلفته من نزيف وجروح عميقة ومتعددة الأبعاد مست البنية الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والسياسية، والرمزية للمجتمع الريفي. إنها، بتعبير أدق، تجربة تاريخية مركبة تتداخل فيها أبعاد العنف الاستعماري، والمقاومة التحررية، والانكسار السياسي، والإرث الممتد للذاكرة الجريحة.
لقد انتهت هذه الحرب، من حيث الشكل، بالقضاء على أكبر حرب تحررية فريدة من نوعها تمثلت في حرب الريف التي تحولت إلى تجربة تاريخية ذات أثر عالمي ألهمت لاحقا عددا من حركات التحرر في العالم في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وكان لها تأثير كبير في تنامي الوعي التحرري لدى الشعوب المستضعفة، وأصبحت رمزا للمقاومة والكرامة وحق الشعوب في تقرير مصيرها. غير أن القضاء على هذا المشروع، محليا، لأن اشعاعه العالمي ظل مستمرا، لم تكن نهاية لآثار الحرب في منطقة الريف، بل بداية لمسار طويل من التبعات المركبة التي أعادت تشكيل المجال الريفي ماديا ورمزيا، وأنتجت اختلالات بنيوية ما تزال آثارها ممتدة إلى الزمن الحاضر.
إن إعادة قراءة حرب الريف اليوم لم تعد ممكنة ضمن المقاربات التقليدية التي تندرج في إطار التاريخ العسكري أو السرديات الوطنية الضيقة، بل تقتضي اعتماد مقاربات متعددة التخصصات تستحضر القانون الدولي الإنساني، ودراسات الذاكرة، ونظريات ما بعد الاستعمار. في هذا السياق، تشير العديد من الدراسات الأكاديمية، من بينها أعمال ماريا روزا دي مادرياغا، وسيباستيان بلفور، إلى ضرورة إعادة تقييم هذه الحرب باعتبارها حالة نموذجية للعنف الاستعماري الممنهج، الذي لم يقتصر على المواجهة العسكرية المباشرة، بل امتد ليشمل استهداف المدنيين، وتدمير البنيات الاقتصادية والاجتماعية، واستخدام وسائل حرب محرمة دوليا.
ويبرز ضمن هذه الممارسات استخدام الأسلحة الكيماوية، التي تعد من أخطر أشكال العنف في التاريخ العسكري الحديث، لما تخلفه من آثار طويلة الأمد على الإنسان والبيئة. إن توثيق هذه الوقائع، رغم ما يعتريه من صعوبات مرتبطة بإغلاق الأرشيف أو تجزيئه، يشير إلى أن هذه الممارسات لم تكن حوادث معزولة، بل جزءا من استراتيجية عسكرية هدفت إلى كسر المقاومة بأي ثمن.
إن إدراج هذه الوقائع ضمن إطار القانون الدولي الإنساني المعاصر يطرح تساؤلات جدية حول طبيعتها القانونية، خاصة في ضوء المعايير التي تجرم استهداف المدنيين، واستخدام الأسلحة المحظورة، وهو ما يدفع إلى إعادة توصيف هذه الأحداث ضمن أفق جرائم الحرب، وربما الجرائم ضد الإنسانية، وفق التعريفات المعاصرة.
لم يعد التعامل مع الماضي مسألة مرتبطة بالكتابة التاريخية فحسب، بل أصبح جزءا من منظومة حقوق الإنسان. فالذاكرة، في السياق المعاصر، لم تعد مجرد عملية استرجاع للسرد، بل تحولت إلى حق من الحقوق الأساسية، يرتبط ارتباطا وثيقا بالحق في الحقيقة، والاعتراف، والعدالة، وجبر الضرر. إن ما يعرف اليوم بالعدالة الانتقالية الموسعة، لم يعد يقتصر على معالجة انتهاكات الأنظمة السلطوية في السياقات الوطنية، بل امتد ليشمل إرث الاستعمار، بما يحمله من عنف بنيوي، وانتهاكات جسيمة. وفي هذا الإطار، فإن حرب الريف لا يمكن اعتبارها حدثا تاريخيا مغلقا، بل ملفا مستمرا في الذاكرة القانونية والأخلاقية.
إن الصمت الرسمي الإسباني، في هذا السياق، لا يفهم فقط كغياب للخطاب، بل كفعل سياسي يساهم في إعادة إنتاج الإقصاء الرمزي للضحايا، ويحول دون إدماج هذه التجربة ضمن السردية الوطنية الإسبانية بشكل منصف ومتوازن. فالصمت، كما تشير إليه دراسات الذاكرة، ليس حيادا، بل شكل من أشكال السلطة التي تتحكم في ما يقال وما يحجب.
لم تتوقف آثار حرب الريف عند حدود عشرينيات القرن الماضي، بل امتدت إلى مراحل لاحقة، لتشكل ما يمكن وصفه بالاستمرارية التاريخية للعنف. فقد تميزت مرحلة ما بعد الحرب بسياسات ذات طابع عقابي، شملت نفي القيادات السياسية والعسكرية، ومصادرة الأراضي، وتفكيك البنية الاجتماعية، وإعادة تشكيل المجال السكاني وفق منطق السيطرة. كما تعرض المجال الطبيعي لتخريب واسع نتيجة استخدام الأسلحة الكيماوية، وهو ما أثر بشكل مباشر على أنماط العيش، والزراعة، والصحة العامة، وأدى إلى آثار بيئية ممتدة لا تزال موضوع بحث إلى اليوم.
وفي سياق لاحق، تم تجنيد آلاف من أبناء الريف في الحرب الأهلية الإسبانية، في ظروف قاسية، شملت حتى القاصرين، مما ساهم في تعميق الجراح الاجتماعية والنفسية، وربط المنطقة بمسارات تاريخية عنيفة خارج إرادتها. أما في الزمن الحاضر، فإن مظاهر التهميش الاقتصادي، والهجرة المكثفة، واختلالات التنمية، لا يمكن فصلها عن هذا الإرث التاريخي المركب. فهذه الظواهر ليست مجرد نتائج لسياسات معاصرة، بل امتداد لمسار طويل من إعادة تشكيل المجال الريفي في ظل علاقات قوة غير متكافئة.
إن معالجة هذا الملف لم تعد مسألة اختيار سياسي، بل تندرج ضمن التزامات قانونية دولية، باعتبار إسبانيا طرفا في منظومة حقوق الإنسان. وتشمل هذه الالتزامات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948، والعهدين الدوليين لسنة 1966، واتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لسنة 1968. وتؤكد هذه المرجعيات على مجموعة من المبادئ الأساسية، من بينها حق الشعوب في معرفة الحقيقة، وحق الضحايا في الاعتراف والإنصاف، وواجب الدول في فتح الأرشيف، وعدم سقوط الجرائم الجسيمة بالتقادم.
إن هذا الإطار القانوني يفرض على الدول ليس فقط الامتناع عن ارتكاب الانتهاكات، بل أيضا معالجة إرثها التاريخي، خاصة عندما يتعلق الأمر بجرائم جسيمة ذات طابع ممنهج.
يبرز في هذا السياق تباين واضح بين الدور الذي تلعبه إسبانيا على المستوى الدولي في الدفاع عن حقوق الإنسان، وبين تحفظها في التعاطي مع إرثها الاستعماري في الريف. وهذا التباين لا يمس فقط بصورة الدولة، بل يطرح تساؤلات عميقة حول اتساق السردية الديمقراطية. فالديمقراطية، في بعدها العميق، لا تقوم فقط على المؤسسات، بل على القدرة على مواجهة الماضي بشجاعة، دون انتقاء أو تبرير. إن فتح الأرشيف، والاعتراف بالانتهاكات، وإدماج هذا التاريخ ضمن السردية الرسمية، لا يمثل تهديدا للدولة، بل يعزز من مشروعيتها الأخلاقية.
في ضوء ما سبق، يمكن اقتراح مجموعة من الخطوات العملية التي من شأنها الإسهام في معالجة هذا الملف، وتشمل فتحا شاملا وغير انتقائي للأرشيف المرتبط بحرب الريف، والاعتراف الرسمي بطبيعة الانتهاكات المرتكبة، خاصة استخدام الأسلحة الكيماوية، ودعم البحث الأكاديمي المستقل، وتمكين الباحثين من الوصول إلى المصادر، وإدماج هذه المرحلة في المناهج التعليمية والثقافية بشكل متوازن، وإطلاق حوار مؤسساتي متعدد الأطراف يشمل الدولة والمجتمع المدني والباحثين.
السيد رئيس الوزراء،
في هذا السياق التاريخي الممتد، يكتسي يوم 25 ماي 1926 دلالة مفصلية في مسار محرقة حرب الريف، باعتباره تاريخ نفي القائد عبد الكريم الخطابي نحو المنفى، وهو المحطة التاريخية المفصلية التي شكلت في الوعي التاريخي الريفي، ومعهم جميع أحرار وأنصار الحرية عبر العالم، لحظة إجهاض قسرية لطموحات وأحلام الريفيين ومن خلالهم كل المغاربة في التحرر والسيادة على أرضهم. لقد ارتبط هذا التاريخ، في الذاكرة الجماعية الريفية، ليس فقط بانتهاء الغزو العسكري، بل بمحاولات إبادة مستقبل هذا الساكنة وتشتيت أوصالها، كذلك بإغلاق مرحلة كاملة من مشروع سياسي تحرري كبير افقه شمال افريقيا كلها واجه منظومة استعمارية اعتمدت، وفق عدد من الدراسات التاريخية، على استعمال كل ما هو محرم دوليا من أسلحة عسكرية قصوى، بما في ذلك ما يصنف اليوم ضمن أشكال العنف الاستعماري المفرط.
إن مئوية محرقة حرب الريف اليوم لا تطرح فقط سؤال الاحتفاء أو التذكير، بل تعيد فتح سؤال المسؤولية التاريخية حول طبيعة إنهاء الحرب، وشروط ما بعد الصراع، وما إذا كان ذلك قد تم في إطار تسوية سياسية، أم في سياق تفكيك قسري قائم على النفي، والإقصاء، وإعادة هندسة المجال والقيادة الريفية خارج إرادتها. وبذلك يصبح 25 ماي ليس مجرد لحظة نهاية عسكرية، بل علامة رمزية على انتقال العنف الاستعماري من شكله المباشر إلى أشكال بنيوية طويلة الأمد، ترتبت عن آثاره ومخلفاته، واستمرت وتطورت في تشكيل علاقة الإقصاء والعقاب الجماعي بالمجال الريفي إلى اليوم.
إن هذه الرسالة لا تسعى إلى إعادة فتح الصراع، بل إلى إغلاقه بشكل عادل. إنها دعوة لا تقوم على الانتقام، بل على الحقيقة، ولا على الإدانة المجردة، بل على المسؤولية التاريخية. إن مئة عام من الصمت ليست مجرد زمن مضى، بل اختبار لقدرة الدولة الإسبانية على مواجهة ماضيها بشجاعة. فالحقيقة ليست عبئا على الدول، بل شرطا من شروط قوتها، والعدالة ليست خيارا، بل أساسا لأي مستقبل مشترك قائم على الثقة.
وتفضلوا بقبول فائق عبارات التقدير.
فريد إيث لحسن
لاهاي في 25 ماي 2026