مهرجان لوكارنو: سينما تحت النجوم تبحث عن مكانها في العالم

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

أصبح شهر آب/أغسطس بالنسبة إلى محبّي الفنّ السابع مرادفاً لمهرجان لوكارنو السينمائي، الذي يفتتح هذا العام دورته التاسعة والسبعين، الأخيرة قبل بلوغه عامه الثمانين. فمن الخامس إلى الخامس عشر من الجاري، وعلى امتداد أحد عشر يوماً، تتّجه الأنظار إلى بقعة تتحوّل فضاءً تعيش فيه السينما خارج حدود القاعات المغلقة فقط. بين جبال الألب وبحيرة ماجيوري، يقترح المهرجان تجربة سينمائية متكاملة تتجاوز العروض إلى المكان نفسه، إذ تتبدّل هوية المدينة، وتغدو السينما لغتها الأكثر حضوراً في الشوارع والساحات والمقاهي.

منذ انطلاقته، اختار مهرجان لوكارنو أن يشقّ طريقه خارج النماذج التي كرّستها المهرجانات الأوروبية الكبرى، وإن تكن نقاط الالتقاء بينها باتت كثيرة في عالمٍ اتّجه، منذ مطلع الألفية الثالثة على الأقل، إلى توحيد صيغ تنظيم التظاهرات الثقافية وآلياتها. ولعلّ ما يمنحه شخصيته الخاصة هو إصراره على التعامل مع السينما باعتبارها تجربة جماعية حيّة، يتقاسمها الجمهور ومخرجو الأفلام في بيئة صيفية، تتجاور فيها جدّية الأعمال المعروضة مع خفّة الأجواء التي تفرضها المدينة ويصنعها التوقيت، من دون أن تطغى إحداهما على الأخرى.

 

المكرَّمة إيزابيللا روسيلليني على غلاف مجلّة المهرجان.

 

تبلغ هذه الفكرة ذروتها في "بيازا غراندي"، الساحة التي أصبحت العلامة الأكثر شهرة للمهرجان. فيها، تُنصب شاشة عملاقة يبلغ ارتفاعها 26 متراً، فيما يتجمّع كلّ مساء أكثر من ثمانية آلاف متفرج لمشاهدة فيلم في الهواء الطلق. تمتد الشاشة تحت النجوم في تجربة يصعب العثور على ما يشبهها في أي مهرجان آخر. هنا، يكرّم المهرجان عدداً من أبرز وجوه السينما، محتضناً كذلك عروضا أولى لأفلام مرتقبة، إلى جانب عروض ليلية تستعيد أعمالاً كلاسيكية أو تحتفي بأفلام تتجاوز الحدود التقليدية للأنواع السينمائية. ثلاث كلاسيكيات سنشاهدها هذا العام على شاشة "البيازا غراندي": "رقص مع الذئاب" رائعة كافن كوستنر، و"بريُّ القلب" لديفيد لينتش و"سائق التاكسي" لمارتن سكورسيزي. 

لا تنفصل هذه الخصوصية اللوكارنوية عن الموقع الذي تحتلّه لوكارنو داخل سويسرا. فالمدينة تقع عند نقطة تلتقي فيها التأثيرات الإيطالية والفرنسية والألمانية. هذا التنوّع الثقافي ينعكس بصورة طبيعية على هوية المهرجان وبرمجته. شعار التعدد هو أيضاً معيار في اختيار الأفلام، وفي الجمع بين أعمال تنتمي إلى تقاليد سينمائية عريقة وأخرى تأتي من تجارب ناشئة لا تزال تبحث عن مكانها على الخريطة العالمية.

يؤكّد المهرجان، على موقعه الإلكتروني، أن هويته تقوم على ركيزتين أساسيتين: الجودة والتنوّع. فمن خلال أحد عشر قسماً، وثلاث مسابقات، وعشرين جائزة، يطمح إلى استكشاف السينما من مختلف زواياها، منتقياً أفلامه بعناية كي تُلهِم الجمهور، وتفاجئه، وتوسّع أفقه، وتدعوه إلى مساءلة أفكاره المسبقة وإعادة النظر في مسلّماته.

 

ملصق الدورة الـ79 من مهرجان لوكارنو السينمائي.

 

غير أن الهوّة بين هذا الخطاب الطموح وما يقدّمه المهرجان فعلياً تبقى واسعة. فما يخرج به المتابع عاماً بعد عام لا يوازي هذه الوعود، إذ إن لوكارنو، على الرغم من البريق الذي راكمه عبر تاريخه ومكانته المرموقة في الرزنامة السينمائية، يظلّ مهرجاناً من الصف الثاني، على غرار كارلوفي فاري وروتردام. ويعود ذلك، في المقام الأول، إلى المستوى المتوسّط لمسابقته الرسمية، التي تبقى المعيار الأهم في قياس مكانة أي مهرجان سينمائي، والركيزة التي تُبنى عليها سمعته الفنية.

من بين المكرّمين هذا العام: الممثّلة الإيطالية الأميركية إيزابيللا روسيلليني، 74 عاماً، ابنة روبرتو روسيلليني وإنغريد برغمان. في ليلة الافتتاح أمس، أُسنِدت اليها "جائزة التميز"، وذلك تكريماً "لمسيرة فنية استثنائية ومتعدّدة الوجه دامت عقوداً، نجحت خلالها في الجمع بين الحرفية التقنية التي اشتهرت بها هوليوود وجرأة الروح الفنية الأوروبية التي لا تخشى التجريب والمغامرة".

أسماء أخرى ستكرَّم أيضاً، من مثل المخرج الأميركي دارن أرونوفسكي، صاحب "البعجة السوداء" وسينال جائزة "نمر شرفي" عن مسيرة بدأها في نهاية القرن الماضي. جائزة مشابهة ستُمنَح إلى أحد كبار السينمائيين الأميركيين المعاصرين: جيمس غراي الذي سيُعرض جديده "نمر من ورق" في المهرحان. أربع ممثّلات تختلف كلّ واحدة عن الأخرى، يكرَّمن أيضاً: الإيطالية آسيا أرجنتو والبلجيكية الفرنسية فيرجينا إيفيرا والأميركية زويه سالدانا ومواطنتها لوسي ليو.

 

لوكارنو في احدى الدورات الماضية.

 

المسابقة الدولية تنطوي على 17 فيلماً تتنافس على "النمر الذهب" وجوائز أخرى ستمنحها لجنة تحكيم يترأسها المخرج البلجيكي فابريس دو فلس. أفلام من إيطاليا والبرازيل والدانمارك وفرنسا وإسبانيا وغيرها من الدول أخرجها سينمائيون غير معروفين، لكن قد تختبئ في أعمالهم مواهب فتية غير مكتشَفة. بين هذه الأسماء غير المعروفة زجّ باسمين شهيرين: الكوري الجنوبي هونغ سانغ سو الذي لا يتوقّف عن التصوير، على ايقاع فيلم أو فيلمين كلّ عام، والكندي دوني كوتيه الذي لا يقلّ عنه نشاطاً. هذا كله يبقى رهناً للاكتشاف إلى جانب أقسام أخرى مثل "مسابقة سينمائيين من الحاضر" (قسم يجمع كلّ الجانرات وهو مُهدى لسينما الغد) ويحمل بدوره 15 فيلماً.

"العيون الخضر" للثنائي الفرنسي فاني لياتار وجيريمي تروي افتتح أمس المهرجان. مراهقة تعيش مع عائلتها في منطقة اللاند، على ساحل المحيط. عندما يعلم أفراد الاسرة أنهم مهدَّدون بالإخلاء من منزلهم، يدخل شقيقها الأكبر في نوم عميق وغامض. تفعل الصبية كلّ ما في وسعها لإيقاظه، حتى إنها تغوص في أحلامه بحثاً عنه. الفيلم حكاية عن الصمود تُروَى من منظور صبية، وتدور أحداثها في عالم مضطرب تحاول فيه الشخصيات الصغيرة أن تجد مكانها. 

يوم طاردت أميركا الفكر اليساري

في خضم الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، ومع تحوّل الصراع الإيديولوجي إلى أحد محدّدات السياسة العالمية، اتهمت أصوات يمينية في أميركا هوليوود بالتغلغل الشيوعي. سرعان ما فرضت الصناعة السينمائية "قائمة سوداء" قلبت حياة فنّانين كثيرين رأساً على عقب، فأطاحت مسيراتهم، وأجبرتهم على استخدام أسماء مستعارة أو مغادرة البلاد، فيما خُنِقت حرية التعبير وأُقصيت أعمال تحمل أفكاراً يسارية حقيقية أو مفترضة.

يعود البرنامج الاستعادي "الأحمر والأسود: هوليوود اليسارية والقائمة السوداء" إلى تلك الحقبة القمعية والمبدعة في آن واحد، عبر أفلام لأسماء مثل جون غارفيلد، جوزيف لوزي، دالتون ترامبو، دوروثي باركر، ريتشارد رايت وتشارلي تشابلن. يصف منظّم هذه الاستعادة إحسان خوشبخت البرنامج بأنه "الأكثر راهنية" في مسيرته، إذ يكشف كيف تحوّلت القناعة السياسية إلى مصدر إبداع ومأساة في زمن حملات المطاردة المكارثية. تضم الاستعادة أفلاماً روائية ووثائقية وأرشيفية من بلدان عدة، إلى جانب كتاب ودراسة صوتية يعيدان قراءة تلك المرحلة.

 
اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية