من واشنطن إلى طهران... أيّ رسائل يحملها الزيدي؟
تكتسب زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي لـطهران، التي بدأت الخميس، أهمية استثنائية في واحدة من أكثر المراحل حساسية في المنطقة، مع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وما يرافقها من مخاوف من اتساع دائرة الحرب وانعكاساتها على أمن الشرق الأوسط وأسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
وتأتي الزيارة في وقت يحاول فيه العراق الحفاظ على سياسة التوازن بين واشنطن وطهران، باعتباره شريكاً استراتيجياً للولايات المتحدة في ملفات الأمن والاقتصاد، وفي الوقت نفسه يرتبط بعلاقات سياسية واقتصادية وجغرافية وثيقة مع إيران، ولا سيما في قطاع الطاقة الذي لا يزال يشكل ركناً أساسياً في منظومة الكهرباء العراقية.
وبحسب مصادر حكومية عراقية تحدثت إلى "النهار"، فإن أجندة الزيارة "تتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية، لتشمل ملفات سياسية وأمنية واقتصادية وإقليمية، في مقدمها جهود خفض التصعيد بين طهران وواشنطن، ومحاولة تقريب وجهات النظر بما يحدّ من مخاطر انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة ستكون لها انعكاسات مباشرة على العراق".
وترى المصادر أن هذه الزيارة تندرج ضمن المسار الذي اعتمدته الحكومات العراقية خلال السنوات الماضية لترسيخ دور بغداد كقناة للحوار الإقليمي، مستفيدة من علاقاتها مع مختلف الأطراف، بعدما استضافت جولات الحوار الإيراني - السعودي وأسهمت في عدد من المبادرات الرامية إلى احتواء الأزمات الإقليمية.

الطاقة تتصدّر المباحثات
يتصدر ملف الطاقة جدول أعمال الزيارة، في ظلّ اعتماد العراق على الغاز الإيراني لتشغيل عدد من محطات إنتاج الكهرباء، وهو ما يجعل أيّ تراجع في الإمدادات ينعكس مباشرة على ساعات التغذية، خصوصاً خلال فصل الصيف.
وفي هذا السياق، من المنتظر أن يؤكد الزيدي أهمية استمرار تدفق الغاز وفق الاتفاقات الثنائية، بالتوازي مع تنفيذ شركة "جنرال إلكتريك" الأميركية برنامج تطوير منظومة الكهرباء العراقية، الذي يعتمد بصورة أساسية على استقرار إمدادات الوقود لرفع كفاءة المحطات وزيادة إنتاجها.
ولا تقتصر المباحثات على ملف الطاقة، إذ تشمل أيضاً حزمة تفاهمات اقتصادية واستثمارية تسعى بغداد إلى إنجازها مع طهران، في إطار توسيع التعاون في قطاعات الطاقة والزراعة والصناعة والنقل والتبادل التجاري.
كذلك، تكشف المصادر أن "الحكومة العراقية تدرس تقديم كفالة سيادية لضمان استمرار تنفيذ المشاريع الاستراتيجية والعقود الطويلة الأمد بغضّ النظر عن تغيّر الحكومات، بما يعزز ثقة المستثمرين ويؤمن استقرار مشاريع البنية التحتية والطاقة والخدمات".
ومن المقرر أيضاً أن تعقد لجان فنية ووفود حكومية عراقية اجتماعات مع نظرائها الإيرانيين لبحث آليات استمرار ضخ الغاز، ومراجعة الاتفاقات السابقة، إلى جانب بحث مشاريع الربط الاقتصادي، وتطوير المنافذ الحدودية، وتسهيل حركة البضائع والاستثمارات، فضلاً عن توسيع التعاون في مجالي الزراعة والأمن الغذائي.
وتشير المصادر إلى أن الزيدي سيطرح كذلك ملفّ سلاح الفصائل العراقية الموالية لإيران، مع التشديد على حصر السلاح بيد الدولة، وضرورة دعم طهران لقرارات الحكومة العراقية، ووقف أيّ دعم للفصائل بما يبعد العراق عن تداعيات الصراعات الإقليمية.

رسائل تتجاوز العلاقات الثنائية
ولا تنحصر أهمية الزيارة في ملفات الاقتصاد والطاقة، إذ تمتد إلى التطورات الأمنية في المنطقة، وانعكاسات التوتر الأميركي - الإيراني على العراق، في ظلّ تمسك بغداد بسياسة النأي بالنفس، ورفض تحويل أراضيها إلى ساحة لتصفية الحسابات أو الانخراط في أي مواجهة عسكرية.
وفي هذا الإطار، يرى عضو لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان العراقي مختار الموسوي، في حديثه إلى "النهار"، أن توقيت الزيارة يمنحها أهمية خاصة، لأنها تأتي في ظل تصاعد التوتر الإقليمي، فيما يحاول العراق توظيف علاقاته المتوازنة مع مختلف الأطراف للمساهمة في خفض التصعيد وحماية أمن المنطقة واستقرارها.
ويعتبر أن "ضمان استمرار إمدادات الغاز الإيراني يشكل أحد أبرز ملفات الزيارة، إلى جانب متابعة تنفيذ الاتفاقات الثنائية، وتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري، وتطوير المشاريع المشتركة والتبادل التجاري، بما يخدم مصالح البلدين".
ويخلص الموسوي إلى أن بغداد "تنطلق في تحركاتها الخارجية من أولوية حماية مصالحها الوطنية، والحفاظ على سياسة التوازن والانفتاح، ودعم المساعي الديبلوماسية الرامية إلى احتواء التوتر، ما يجعل نتائج الزيارة مؤشراً على قدرة العراق على الجمع بين تأمين احتياجاته من الطاقة، وتعزيز دوره السياسي في تهدئة الأزمات الإقليمية".