من الحضارة الفارسية إلى الانحطاط الشيعي

لم يكن الشرق الأوسط أرضا عقيمة غارقة في الجهل والتخلف والانحطاط الفكري والأدبي والفني، بل كانت مهد الحضارات البشرية، حيث تعاقب على هذه الأرض المعطاء السومريون والمصريون والفرس والأكاديون والبابليون والحثّيون والفينيقيون وألآشوريون وغيرهم، كل هذا حدث منذ 4000 سنة قبل الميلاد. وتميزت فارس بكونها الحضارة الأطول تعميرا من بين كل ما ذكرنا. من العيلاميين في 2700 قبل الميلاد، إلى الميديين إلى الساسانيين، والساسانيون هم الذين تزامن ضعف قوتهم العسكرية مع تنامي قوة العرب في المنطقة في زمن الخليفة عمر بن الخطاب.

في كل مراحل تقلب الأسر الحاكمة في فارس كانت مظاهر القوة العسكرية والاقتصادية والعمرانية والثقافية متجلية بشكل عميق وواسع. لأن الفرس تأثروا بالحضارات المجاورة لهم وأثروا في جيرانهم أيضا. فتميز العلماء والمهندسون والمفكرون والقادة العسكريون. وبدت الحياة الاجتماعية متقدمة تمثل قدوة للآخرين. تميز الفرس في طريقة لباسهم وأكلهم وشربهم وعمرانهم وعلاقاتهم الاجتماعية وفي نظام تعليمهم. هذا في الوقت الذي كان فيه العرب مجرد بدو لم ينتقلوا بعد من نظام القبيلة إلى النظام المدني. وقد تكون مكة اقتربت من شكل قرية كبيرة في القرن الرابع أو الخامس الميلادي.

ولولا أن الفرس اشتغلوا بالحروب ضد الإغريق خاصة ثم الرومان بعد ذلك لظلت حضارتهم قائمة حتى بعد مجيء العرب. لكن شاءت دورة التاريخ أن تصعد بقوم وتنزل بآخرين. وكانت القوة العربية الصاعدة بالمرصاد لكل القوى الإقليمية الموجودة شمال الجزيرة العربية، ومنهم الفرس والروم، الذين خضعوا للعرب ودالت دولتاهما وحضارتاهما.

في قصيدة يهجو بها بشار بن برد العرب، بعد أن استقوى الموالي بحكم العباسيين وتغلغلوا في دائرة الأسرة العباسية الحاكمة، يقول في مطلعها:

أعادل لا أنام على اقتسار ولا ألقى على مولى وجار

يقارن بشار بن برد، وهو شاعر فارسي ثقف العربية وعلومها وكان من أبرز الشعراء الشعوبيين، يقارن بين الحياة العربية البدوية والحياة الفارسية المتمدنة، ويسخر من التحول الأهوج للعربي من نمط عيش متخلف إلى التشبه بالفرس المتأصلين في جذور الحياة المتحضرة. ومن ذلك أنه يتهكم على العربي الذي لم يسبق له أن عرف الدقيق الأبيض ولا شرب الخمر في صحائف الذهب والفضة ولا لبس الحرير والديباج. وأنه يقتات من اصطياد الجعل والقنفد والفأر والحرباء والضب ويأكل مع الكلب في إناء واحد، ويختم قوله باحتقار العربي لأنه يكتري بيته وكان ذلك عيبا عند الفرس.

هذا وإن كان شعره يتضمن بعض المبالغة التي يقتضيها الهجاء غير أنه يكشف عن صدمة حضارية واسعة بين شعب عاش متحضرا آلاف السنين وشعب خرج من نظام القبيلة ليعانق المدنية فجأة. فماذا وقع لأهل فارس حتى انتقلوا من نظام راق في الحياة والمعرفة والمدنية إلى شعب أعماه فهم منحط للدين الإسلامي، وخرج من توحيد الله تعالى إلى إشراك البشر في القداسة، وحتى الوجود الأبدي لبشر لا حظ لهم في الإفلات من القبر بشكل لا رجعة فيه؟ (المهدي المنتظر). تحولوا إلى شعب يقدس آل البيت والله تعالى نفسه ما قدس الرسول محمدا نفسه، وقال في ذلك: قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ/قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ/وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم.

ألله تعالى ينهى عن تحويل موت الرسول نفسه إلى قضية عقدية فما بالك بأحفاده مثل الحسن والحسين ومن جاء من نسلهما؟ فكيف تحول الشيعة من توحيد الخالق إلى تقديس المخلوق، كيف لحضارة راقية أن تتهم الأجيال المتعاقبة بخيانة آل البيت والتخلي عن نصرتهم، وإلصاق ذنبِ قتلِ الحسين أو غيره بحياتهم وحياة فروعهم إلى أن تقوم الساعة؟ وكأني بهم استنسخوا الخطيئة الأصلية من المسيحيين.

وصل الانحطاط الفكري بالشيعة اليوم أنهم قرروا خلق قوة عسكرية هائلة تخدم التوسع الديني الفاسد وتحميه وتنقله إلى كل أرض يوجد بها شيعة أو أشباه شيعة أو مشاريع شيعة، لتزرع فيها بذرة الانحطاط، حتى ولو كانت هذه الأرض هي المغرب، أرض المالكيين المعتدلين في دينهم ودنياهم. فهل يحل بأرضنا الطاهرة هذا المسخ الشيعي الذي لا وصف له؟

The post من الحضارة الفارسية إلى الانحطاط الشيعي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress