من الجمر إلى الرماد: واشنطن وتل أبيب في متاهة الخيارات المستحيلة

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

أكرم بزي

 

 

 

لم يعد المشهد الإقليمي مجرد مناوشاتٍ عابرة على رقعة الشطرنج الشرق أوسطية، بل تحول إلى زلزال استراتيجي يعيد رسم خرائط النفوذ ويضع القوى التقليدية أمام اختبار وجودي لم تكن في حساباتها. إن التخبط الذي تعيشه إدارة الرئيس دونالد ترامب في محاولاتها إنهاء حرب إيران ليس سوى انعكاس لعجز القوة العظمى عن فرض إرادتها في منطقة قررت أن تخرج عن النص الأميركي المعتاد. فالصفقات التي كان يُروج لها كحلول سحرية لإنهاء الصراع تحولت إلى أعباء سياسية تكبل يد ترامب وتضعه في مواجهة مباشرة مع تيارات التشدد في الداخل، وهو المأزق الذي أوجزه المعلق ماكس بوت في مقاله المنشور بصحيفة "واشنطن بوست" بتاريخ 9 يونيو/حزيران 2026، بأن ترامب يواجه اليوم فاتورةً باهظة لحرب ما كان ينبغي له أن يشعل شرارتها أصلاً، فكل مخرج يبدو اليوم أكثر سوءاً من الآخر، وكل محاولة للتسوية مع طهران تفتح عليه نار انتقادات حلفائه الذين يرفضون أي تنازلات.
وفي المقابل، يبدو المأزق الإسرائيلي أشد وطأةً وأكثر عمقاً، إذ سلطت صحيفة "لوموند" الفرنسية، في عددها الصادر بتاريخ 9 يونيو/حزيران 2026، الضوء على حالة الهستيريا التي تجتاح النخبة السياسية والإعلامية في تل أبيب. فقد نقلت الصحيفة عن المراسل العسكري لصحيفة "معاريف" آفي أشكنازي، تعبيره عن حالة الغضب من "سياسة الاحتواء" والإملاءات الأميركية، محذراً من أن "إيران تظهر بوضوح أنها ليست مردوعة"، وأن التردد الإسرائيلي سيجعل الدولة العبرية "ممسحةً" في الشرق الأوسط.
هذا القلق الوجودي لا ينبع من الفراغ، بل تغذيه خسائر عسكرية فادحة في جبهة جنوب لبنان. فمنذ تجدد القتال مطلع مارس الماضي حتى أوائل يونيو 2026، أقر جيش الاحتلال الإسرائيلي بمقتل 26 ضابطاً وجندياً وإصابة 1180 آخرين، في حصيلةٍ تعكس حجم المقتلة التي يتعرض لها جنود النخبة في ألوية "غولاني" و"إيغوز" و"ماغلان" تحت وطأة كمائن المقاومة التي تعتمد أسلوب الاستنزاف المدروس. إن التقارير التي نشرتها الصحافة العبرية (مثل "معاريف" و"واي نت") في 9 يونيو تشير إلى أن تل أبيب تدرك الآن أن طهران نجحت في فرض قواعد لعبة جديدة، فالمعارضة الإسرائيلية، رغم اختلافها مع نتنياهو، تجد نفسها في المأزق ذاته، بحيث لم تعد تملك سوى التلويح بخيارٍ عسكري شامل يدرك الجميع في الغرف المغلقة أنه قد يفضي إلى انتحار جماعي في ظل التوازن الجديد الذي فرضته الصواريخ والمسيرات الإيرانية.
إن التساؤل الجوهري الذي يطرحه الواقع اليوم يتجاوز مصير بنيامين نتنياهو الشخصي ليصل إلى جوهر العقد الاجتماعي والأمني لإسرائيل، فالمشهد الميداني جنوب لبنان، مع استمرار العمليات النوعية التي تحصد أرواح الضباط والجنود، جعل من الرهان على غطاء أميركي أمراً مشكوكاً فيه، ما يضع تل أبيب أمام لحظةٍ تاريخية من العزلة الاستراتيجية، بحيث تتقلص خياراتها بين القبول بوقائع إيرانية جديدة على حدودها وبين مغامرة عسكرية قد تغير وجه المنطقة.
في نهاية المطاف، تبدو الصورة أكثر قتامة مما يروج له الإعلام السياسي. فواشنطن تحاول شراء الوقت بصفقات مالية، وتل أبيب تحاول شراء الردع بمزيد من القوة في جنوب لبنان، بينما تستمر طهران في فرض معادلاتٍ مستفيدةً من التناقضات بين الحلفاء. إن ما نشهده هو بداية نهاية عصر الهيمنة، عصر لن تُكتب فصوله الأخيرة في البيت الأبيض أو الكنيست، بل في الميدان الذي لم يعد فيه برميل النفط مجرد سلعة، بل أداة سياسية تغير وجه العالم وتضع الجميع أمام حقيقة مرة، فالحرب التي بدأتها حسابات واهمة لن تنتهي إلا بدموع ورماد لكل من ظن أن القوة هي الحل الوحيد للمتغيرات التاريخية الكبرى.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية