مقترح تشريعي يروم إنصاف وإدماج ذوي الإعاقة الذهنية في سوق الشغل
في خطوة تشريعية وحقوقية، جرى توجيه مقترح تشريعي شامل إلى رئيسي مجلس النواب والمستشارين، يهدف إلى إحداث تغيير جذري في التعاطي مع حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة ذهنية في المغرب. يستند هذا المقترح إلى مقتضيات الدستور المغربي لسنة 2011 الذي يضمن الحق في الكرامة والمساواة، وإلى أحكام القانون الإطار رقم 97.13 المتعلق بحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة.
ويرتكز الملف المطلبي الموجه إلى المؤسسة التشريعية الذي تقدمت به “جمعية هدف الآباء وأصدقاء الأشخاص المعاقين ذهنيا” على ثلاثة محاور أساسية تتعلق بالتبسيط الإداري، وإعادة النظر في المسؤولية الجنائية، وتفعيل الإدماج الاقتصادي.
على المستوى الإداري، يسلط المقترح الضوء على معاناة هذه الفئة مع بعض الإدارات العمومية التي تطالبها بتقديم ملفات وتقارير طبية إضافية، على الرغم من توفرها مسبقا على شهادة الإعاقة المسلمة من الجهات المختصة. ويعتبر أصحاب المبادرة أن هذا الإجراء يشكل عبئا إداريا غير مبرر ومساسا صريحا بكرامة هؤلاء المواطنين، ويكرس تمييزا غير مباشر ضدهم. ولتجاوز هذه العقبة، يطالب المقترح باعتماد شهادة الإعاقة كمرجع رسمي ووحيد لإثبات الحالة في جميع المؤسسات العمومية وشبه العمومية والخاصة. كما يدعو إلى منع مطالبة الأشخاص في وضعية إعاقة ذهنية بأي وثائق طبية إضافية، مع إلزام الوزارة الوصية بإصدار دوريات وتوجيهات ملزمة توحد هذا العمل وتبسط المساطر الإدارية لضمان تكافؤ الفرص.
وفي الشق الجنائي، يثير المقترح الانتباه إلى الوضعية القانونية المعقدة لهذه الفئة، فعلى الرغم من أن الفصل 134 من القانون الجنائي ينص على انعدام المسؤولية الجنائية في حالة الخلل العقلي الذي يفقد الإدراك والإرادة، فإن الإثبات العملي يظل معقدا. ويعتمد هذا الإثبات بشكل شبه كلي على الخبرة الطبية القضائية؛ في حين قد لا يُعتد بشهادة الإعاقة، على الرغم من صدورها عن جهات رسمية. ويؤدي عدم الاعتداد الكافي بهذه الشهادة وطول وتعقيد مسطرة الخبرة الطبية إلى تعريض هؤلاء الأشخاص لخطر المتابعة والعقاب، متجاهلين هشاشة وضعهم النفسي وغياب توجيه تشريعي يوازن بين الحماية والعدالة.
بناء على ذلك، تلتمس المذكرة تعزيز حجية شهادة الإعاقة الذهنية واعتبارها قرينة قانونية قوية على نقص أو انعدام التمييز، مع إلزام الجهات القضائية بأخذها بعين الاعتبار بشكل جدي. ويطالب النص كذلك بتبسيط مسطرة الخبرة الطبية وجعلها سريعة وملزمة عند الإدلاء بالشهادة، مع اقتراح إقرار مقتضى قانوني صريح يعفي أو يخفف المسؤولية الجنائية. كما يشدد المقترح على ضرورة تعويض العقوبات السالبة للحرية بتدابير حماية وقائية، مثل الإيداع في مؤسسات علاجية أو مراكز تأهيل تراعي حالتهم النفسية.
أما في ميدان الشغل، فيأتي المقترح بقانون يروم تعزيز إدماج الأشخاص في وضعية إعاقة ذهنية في سوق العمل، لضمان حقهم في العمل الكريم واستقلاليتهم الاقتصادية والاجتماعية. وينبه النص إلى أن نسبة شبه كلية من هذه الفئة لا تزال تعاني من الإقصاء والبطالة والهشاشة، بسبب غياب آليات إلزامية فعالة وضعف تهيئة بيئة العمل بما يتلاءم مع احتياجاتهم. ويقترح المدافعون عن هذه المبادرة إقرار نسبة تشغيل إلزامية داخل المؤسسات العمومية والخاصة، للانتقال من منطق الاختيار إلى منطق الالتزام القانوني الفعلي.
وبالموازاة مع هذا الإلزام، يدعو المقترح إلى اعتماد تحفيزات ضريبية ومالية للمقاولات الملتزمة لجعل الإدماج خيارا اقتصاديا مربحا، مع فرض احترام وتكييف ظروف العمل. ويولي النص أهمية بالغة للتكوين والتأهيل من خلال تعزيز فرص التكوين المهني وإدماج هذه الفئة في المهن الحديثة، لا سيما في المجال الرقمي والعمل عن بعد، مع إحداث آليات حكامة فعالة للتتبع والمراقبة وترتيب جزاءات على المخالفين. ومن شأن هذا المقترح أن يرفع من الإنتاجية الوطنية، ويحد من الفوارق الاجتماعية، ويحسن صورة المملكة دوليا في مجال حقوق الإنسان.
ويختتم المقترح التشريعي برسالة موجهة إلى نواب الأمة من لدن الأشخاص في وضعية إعاقة. وتؤكد هذه الرسالة أن الإعاقة ليست ضعفا؛ بل اختلاف يحتاج إلى إنصاف، وأن مطلبهم ليس امتيازا بل عدالة تعيد التوازن وتمنحهم فرصة العيش بكرامة والعمل بجدارة. وتدعو الخاتمة ممثلي الأمة إلى أن يكونوا صوت العدالة لدعم هذه الفئة لتكون في قلب الوطن لا على هامشه، والمصادقة على مطالب تكرس قيم المساواة في مجتمع ديمقراطي حقيقي.
The post مقترح تشريعي يروم إنصاف وإدماج ذوي الإعاقة الذهنية في سوق الشغل appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.