مقاومة من دون سلاح بفلسطين!

يدل تنوع أشكال المقاومة الفلسطينية أن الاحتلال كلما شدّد الخناق على الشعب الفلسطيني وعلى مقاومته المسلحة ورفع وتيرة الإبادة الجماعية والاستيطان حقَّق عكس النتائج التي خطط لها.

بالأمس فقط تمكَّن الشاب الفلسطيني فاروق رمضان بلباسه التقليدي ومن دون سابق تدريب أو تخطيط من انتزاع سلاح هجومي من أيدي ضابط صهيوني وأرداه قتيلا رفقة مستوطن آخر وأصاب آخرين إصابات خطيرة، ثم ارتقى شهيدا مع ثلاثة من أفراد عائلته، دفاعا عن أرضهم وحقهم في الحياة وتأكيدا أن فلسطين هي أرض محتلة، ومقاومَة المحتل فيها مشروعة وتستحق التضحية بالنفس والنفيس.
جاء هذا العمل البطولي الشجاع في وقت اعتقد الكيان الصهيوني الغاصب أنه قضى على المقاومة في غزة وفي الضفة، وفي الوقت الذي اعتبر أن تسليح المستوطنين بكثافة سيحميه من أصحاب الأرض العُزَّل، وفي الوقت الذي بات يبني فيه كل إستراتيجيته على أساس نزع سلاح المقاومة باعتبار السلاح هو المعرقل الوحيد لإتمام سيطرته على الأرض وتحقيق الانتصار المطلق على الشعب الفلسطيني، جاءه هذا العملُ البطولي ليؤكد له أن المقاومة ليست بالضرورة سلاحا باليد، بل هي روحٌ تسكن المظلوم وتدفعه إلى صد الظالم من غير أي سلاح، بل هي روحٌ أقوى من السلاح الذي بيد الظالم! وهو ما حدث بالفعل في رمزية عالية المعنى تقول: أن “نزع سلاح المقاومة” لا قيمة له ما بقي الظلم وما بقي الاعتداء وما بقي المستوطِن المغتصِب للأرض يفرض وجوده بالقتل والسجن والحرق والتخريب المُتعمَّد لكل ما له علاقة بحياة الفلسطيني، بل إن هذه الرمزية تقول إن مسار الأمور سينقلب على المعتدي طال الزمن أو قصُر إن في اعتماده المفرط على السلاح للسيطرة، أو في سعيه للقضاء على كل تنظيم فلسطيني مقاوم؛ فالسلاح الموزَّع بكثافة على المستوطنين المغتصِبين للأرض لِفرض وجدوهم بالقوة سيتحول إلى مصدر لِسُكان الأرض الشرعيين للدفاع عن أنفسهم، والتنظيمات المقاوِمة بدل أن تكون هي الرابط بين الفلسطينيين لأجل التحرير يمكن لقوات الاحتلال استهدافها باستمرار، تُصبح الأسرة والعشيرة والقبيلة هي الوحدة التنظيمية للمقاومة، ينتزع أبناؤها من عدوهم سلاحه ويقضون به عليه، ثم يستشهدون من أجل أرضهم وعرضهم أبطالا…
إنها معركة مختلفة عن المعارك السابقة تماما، وتدل على فشل السياسات التقليدية الإسرائيلية القائمة على تثبيت الاحتلال بالقوة والامتناع عن الاعتراف بحق الفلسطينيين في الوجود وبناء دولتهم المستقلة على أرضهم المحرَّرة، بل ومحاربتهم بالقوة والإرهاب والسجن والتعذيب وكافة أنواع القهر التي يمارسها المحتَلون عادة وببشاعة أكبر عندما يتعلق الأمر بمن يسمون أنفسهم إسرائيليين صهاينة!
اليوم مثل هذه العمليات البطولية القائمة على التضحية بالنفس من أجل الأرض والعرض والعائلة والوطن تدل على تحول نوعي في طبيعة المواجهة الفلسطينية الإسرائيلية، لا يمكن لصاحب القوة العسكرية المُدجَّج بالسلاح الانتصار فيها، ولا لمن يعتمد أساليب الاحتلال التقليدية تحقيق أهداف الاحتلال.
هنا المقاومة باتت من دون سلاح، تنتزع السلاح من العدو وتقضي به عليه. المدني يستطيع الانتصار على العسكري بإرادته وروح التحدي لديه واستعداده للتضحية، وهي مؤشرات لا يمكن قياسها، وعناصر قوة لا مادية لا يمكن مشاهدتها أو حصرها أو منعها من أن تكون.
المقاومة اليوم تتجه لأن تكون بلا تنظيم تقليدي، كل عائلة فلسطينية هي اليوم تنظيمٌ مُقاوم قائم بذاته، لا يمكن التنبؤ بالأسلوب الذي ستتصرَّف به ولا يمكن اختراقها أو تفكيكها، لأن قيادتها تلقائية غير مهيكلة ولا يمكن توقع أفعالها وردود أفعالها.
رحم الله تعالى شهداء عائلة رمضان المجاهدة، ومَنح من خلالها الأمل للشعب الفلسطيني برمته ليتخلص من هذا الاحتلال البغيض الذي لم تعرف البشرية له مثيلا، قاتل الأطفال والأبرياء، ومُعذِّب الأسرى في سجونهم بأنواع غير مسبوقة من العذاب، المنبوذ عالميا الذي باتت نهايته قريبة بعد أن تجاوز حدود الظلم وضاقت دائرة حلفائه حتى بين الأمريكيين الذين كانوا أقرب المدافعين عنه.

شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين

The post مقاومة من دون سلاح بفلسطين! appeared first on الشروق أونلاين.

اقرأ المقال كاملاً على Echorouk