مفاوضات روما... هل تُمهّد الفرق الفنّية لاتّفاقات صامتة رغم التّصعيد؟
في وقت تتصاعد فيه الرسائل العسكرية على الجبهة الجنوبية، تستعد العاصمة الإيطالية روما لاستضافة الجولة السابعة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة بين الرابع والسادس من آب. للوهلة الأولى يبدو المشهد متناقضاً، فكيف تتقدم المفاوضات فيما يستمر التصعيد الميداني؟ إلا أن التجارب السابقة تؤكد أن الضغوط العسكرية غالباً ما تُستخدم لتحسين شروط التفاوض، لا لنسفه.
وتكتسب الجولة المرتقبة أهمية خاصة لأنها تأتي بعد أشهر من الاتصالات الأميركية الهادفة إلى الانتقال من تثبيت وقف إطلاق النار إلى وضع آليات تنفيذية أكثر وضوحاً، وسط مساعٍ لتحويل التفاهمات السياسية إلى إجراءات ميدانية قابلة للتطبيق.
مرحلة تنفيذية لا سياسية
تختلف جولة روما عن الجولات السابقة، إذ تشير المعطيات إلى أن النقاش لن يتركز على المبادئ السياسية بقدر ما سينصب على آليات التنفيذ، من انتشار الجيش اللبناني والانسحابات الإسرائيلية، إلى ترتيبات المراقبة ومعالجة النقاط الحدودية العالقة.
وهذا التحول يعكس انتقال المفاوضات من مرحلة البحث في العناوين العامة إلى مرحلة التفاصيل التقنية، وهي عادة الأكثر تعقيداً، لأنها تتعلق بترجمة التفاهمات إلى خطوات عملية على الأرض.
هل تعمل فرق فنية في الكواليس؟
السؤال الأبرز قبل انعقاد الجولة هو ما إذا كانت هناك فرق فنية تعمل بعيداً عن الإعلام لإعداد تفاهمات مسبقة.
المعلومات تفيد بأن الاجتماعات ستضم مجموعات عمل تقنية تتولى دراسة الملفات التنفيذية، وهو ما يرجح أن التحضير الفعلي بدأ قبل موعد اللقاء الرسمي. فمن الصعب تصور أن تمتد الاجتماعات ثلاثة أيام إذا كانت الوفود ستبدأ من الصفر، ما يعني أن خبراء عسكريين وأمنيين ووسطاء أميركيين يعملون منذ فترة على إعداد خرائط ومقترحات تتعلق بمراحل الانتشار، والانسحاب، وآليات الرقابة، تمهيداً لعرضها على رؤساء الوفود.
ولا يعني ذلك أن اتفاقاً نهائياً أُنجز في السر، لكنه يشير إلى وجود عمل تقني يسبق أي إعلان سياسي، وهو أمر معتاد في المفاوضات الأمنية الحساسة.
لماذا يترافق التفاوض مع التصعيد؟
التصعيد الحالي لا يبدو منفصلاً عن مسار التفاوض، بل يشكل جزءاً من أدوات الضغط المتبادلة.
إسرائيل تحاول الوصول إلى روما وهي تمتلك أكبر قدر من أوراق القوة، لإقناع الوسطاء بأن أي تأخير في تنفيذ الترتيبات الأمنية ستكون له كلفة ميدانية.
في المقابل، يحرص "حزب الله" على توجيه رسالة بأنه لا يزال عنصراً أساسياً في المعادلة الأمنية، وأن أي ترتيبات جديدة لا يمكن أن تتجاهل حضوره.
أما الدولة اللبنانية، فتسعى إلى تثبيت دور الجيش اللبناني باعتباره الجهة الشرعية التي ستتولى الإمساك بالأرض في أي مرحلة تنفيذية، وهو ما يتقاطع مع التوجه الأميركي الداعم لتعزيز دور المؤسسات الرسمية.
لذلك، فإن استمرار التصعيد لا يعني بالضرورة فشل المفاوضات، بل قد يعكس محاولة كل طرف تحسين موقعه قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ.
ماذا يمكن أن تخرج به روما؟
من غير المتوقع أن تفضي الجولة إلى اتفاق سياسي شامل، بل إلى خطوات عملية تتعلق بتوسيع مناطق انتشار الجيش اللبناني، واستكمال الانسحابات الإسرائيلية، وتطوير آليات المراقبة، إضافة إلى بحث بعض النقاط الحدودية المختلف عليها بصورة تدريجية.
إذا نجحت الاجتماعات في إقرار هذه الخطوات، فإنها ستشكل بداية مرحلة جديدة تقوم على تثبيت الوقائع الميدانية قبل الانتقال إلى ملفات أكثر تعقيداً. أما إذا بقيت الخلافات قائمة، ولا سيما حول آليات التنفيذ والضمانات الأمنية، فمن المرجح أن يستمر المشهد الحالي، حيث تترافق المفاوضات مع تصعيد محسوب يستخدمه كل طرف لتحسين شروطه.
في المحصلة، تبدو جولة روما أكثر من مجرد لقاء تفاوضي جديد، فهي تمثل اختباراً لقدرة الولايات المتحدة على نقل التفاهمات من مستوى السياسة إلى مستوى التنفيذ. ولذلك، قد لا يكون الحدث الأهم هو ما سيصدر في البيان الختامي، بل ما إذا كانت الفرق الفنية ستنجح في الاتفاق على التفاصيل التي ستحدد شكل الجنوب اللبناني خلال المرحلة المقبلة. فإذا تحقق ذلك، تكون روما قد أرست الأساس لمرحلة مختلفة من إدارة الحدود، أما إذا تعثرت، فسيبقى الجنوب مفتوحاً على مفاوضات متواصلة ورسائل ميدانية متبادلة، بانتظار ظروف سياسية أكثر ملاءمة لإنجاز تسوية أوسع.