معطيات غير دقيقة وأحكام تستبق نتائج التحقيق.. مرصد حقوقي ينتقد تناقضات “الداخلية” حول أحداث سبتة

انتقد مرصد الشمال لحقوق الإنسان قصور وتناقضات رواية وزارة الداخلية لأحداث الهجرة الجماعية نحو سبتة، وطالب بتحقيق سريع ومستقل ومحايد وشفاف، يشمل أفعال جميع الأطراف وتقصيرها المحتمل، مع ضمان مشاركة أسر الضحايا وإطلاعها على تطوراته، ونشر نتائجه للرأي العام.

وسجل المرصد الحقوقي في بلاغ له جملة من الثغرات والبياضات التي حملها تصريح وزارة الداخلية المتأخر، أمس الأحد، والذي غاب فيه التسلسل الزمني للوقائع، وقدم نتائج قطعية لوقائع يفترض أن يحسم فيها القضاء، لا وزارة الداخلية التي كانت طرفا في الأحداث.

 

إشاعات وفراغ تواصلي

وقال المرصد إن ادعاء وزارة الداخلية بتوفرها على مؤشرات مبكرة، يطرح التساؤل حول أسباب عدم إصدار تحذير عمومي فوري يوضح حقيقة القرار القضائي الإسباني، ويواجه المعلومات المضللة التي اعتبرها التصريح نفسه عاملًا رئيسيًا في تحريك الأحداث.

وأضاف أن مكافحة الشائعات لا تتحقق بالمراقبة الأمنية وحدها، بل تقتضي توفير معلومة رسمية دقيقة واستباقية ومنتظمة، خصوصًا خلال الساعات الأولى للأزمات. ويكتسي هذا القصور التواصلي دلالة أكبر بالنظر إلى إشراف وزارة الداخلية على المرصد الوطني للهجرة، الذي يُفترض، بحكم وظائفه، أن يسهم في الإنذار المبكر ودعم القرار والتواصل الوقائي.

واعتبر أنه من غير المنطقي إسناد جزء أساسي من المسؤولية إلى التضليل الرقمي، من دون بيان ما قامت به المؤسسات المكلفة بالرصد لمواجهته في الوقت المناسب، ومن دون تقييم أثر الفراغ التواصلي الرسمي خلال الساعات الأكثر حساسية.

وأبرز المرصد الحقوقي أن التصريح لم يوضح كيف تمكنت هذه الأعداد الكبيرة من الوصول إلى منطقة كانت تعرف في اليوم نفسه ترتيبات أمنية استثنائية، مرتبطة بحفل الاستقبال الرسمي لعيد العرش بمدينة المضيق.

الداخلية تستبق نتائج التحقيقات

ورفض البلاغ إعلان “الداخلية” نتائج قطعية قبل اكتمال التحقيق، حيث حسمت مسبقًا في عدد من القضايا التي يفترض أن تشكل موضوع التحقيق القضائي، إذ قررت أن الأحداث لم تكن تلقائية، وحددت أسبابها، وأكدت أن تدخل السلطات احترم القانون والتناسب، وأنها تمكنت من التحكم في الوضع وحماية الأرواح، كما وصفت إحدى الوفيات بأنها “عرضية”، رغم أن “الأبحاث ما تزال جارية لتحديد جميع الملابسات والكشف عن المسؤوليات”، حسب التصريح.

ولفت مرصد الشمال إلى وجود تناقض بين الادعاء بالاستباق وحجم ما وقع؛ إذ تؤكد الوزارة أنها اعتمدت الرصد المبكر، ورفعت درجات اليقظة، وعززت جاهزية المصالح الأمنية، وكثفت المراقبة البرية والبحرية… لكن حجم الأحداث يكشف فشل التدابير، ويفرض الإجابة عن سؤال “كيف وصلت عشرات الآلاف بصورة شبه متزامنة إلى محيط حدودي تقول الوزارة إنه كان خاضعًا للرصد المبكر والمراقبة البرية والبحرية والتعبئة الأمنية المعززة؟”.

ونبه إلى أن وصف إحدى الوفيات بأنها عرضية سابق لأوانه، ويستبق نتائج التحقيق الذي لا ينبغي أن يقتصر على السبب الطبي المباشر للوفاة، وإنما يجب أن يبحث أيضًا في الظروف المحيطة بالسقوط، وما إذا كان قد وقع أثناء تدافع أو مطاردة أو تدخل أمني، ومدى تأمين المنطقة وسرعة تقديم الإسعاف. فقد يكون السقوط السبب المباشر، لكنه لا يحسم سلسلة الأسباب ولا ينفي المسؤوليات المحتملة.

كما أن الادعاء باحترام القانون والتناسب يحتاج، حسب المرصد، إلى تحقيق مستقل ونشر معطيات بشأن أنواع وسائل القوة المستعملة، والأوامر الميدانية وتسلسل القيادة، وأعداد المصابين من المدنيين والقوات العمومية، وعدد الموقوفين والشكايات المسجلة، فضلًا عن حفظ تسجيلات الكاميرات وعمليات الإنقاذ والإسعاف. ناهيك عن أن بعض الفيديوهات المنتشرة عبر شبكات التواصل الاجتماعي تستدعي التحقيق القضائي.

غياب الأدلة والمعطيات الدقيقة

وأكد المرصد على ضرورة تقديم الأدلة بشأن كون الأحداث لم تكن تلقائية، والكشف عن عدد الحسابات أو الشبكات المتورطة، وطبيعة التنسيق بينها، وعدد الموقوفين والأدلة الرقمية المتصلة بالتخطيط أو التمويل أو النقل المنظم.

وقال المرصد إن الداخلية وصفت معطياتها الإحصائية بالدقيقة، لكنها عادت لتقدم أرقاما ومعطيات غير دقيقة، بتقديم رقم تقريبي للمهاجرين (حوالي 40 ألف)، مع عدم تحديد فترة الإحصاء، والمقصود بـ”نقاط الانطلاق”، وعدد الذين حاولوا العبور فعليًا، وعدد الذين تمكنوا من الوصول إلى سبتة، وعدد الذين جرى منعهم أو إيقافهم، وعدد المصابين والمفقودين والمنقذين…

ودعا المرصد إلى توضيح المقصود بـ«التحكم في الوضع» الصادر في تصريح وزارة الداخلية؛ وما إذا كان يعني منع التوافد، أم منع العبور، أم استعادة السيطرة بعد وقوعه، رافضا اختزال الأسباب في التضليل الرقمي وإغفال الشروط الاجتماعية العميقة، وفي مقدمتها البطالة والهشاشة وانتشار الفساد وفقدان الأمل وضعف الثقة في المستقبل واتساع الإحساس بالحرمان النسبي، بشكل يخلط بين الشرارة المباشرة والشروط المنتجة للقابلية الجماعية للهجرة والمخاطرة.

غموض نطاق الأبحاث القضائية

وسجل ذات المصدر غموض نطاق الأبحاث القضائية؛ إذ لم يوضح التصريح ما إذا كانت الأبحاث التي فتحتها النيابة العامة تقتصر على الحسابات الرقمية والشبكات والأفعال المنسوبة إلى المشاركين، أم أنها تشمل أيضًا أسباب الوفيات والإصابات، واستعمال القوة، وأفعال أو أوجه تقصير مختلف السلطات والمتدخلين.

وشدد المرصد الحقوقي على أن مكافحة الشائعات أو الشبكات الإجرامية، على أهميتها، لا تعفي السلطات من واجب الوقاية والإنقاذ والشفافية والمساءلة، رافضا أن تحل رواية وزارة الداخلية محل التحقيق المستقل، أو أن تتحول عودة الهدوء إلى مبرر لإغلاق ملف مأساة لا تزال عشرات الأسر تنتظر معرفة حقيقتها ومصير أبنائها.

اقرأ المقال كاملاً على لكم