مصر... حين يصبح كل متر مكعب من المياه معركة من أجل الغذاء

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

تقف مصر اليوم على خط المواجهة الأول مع أزمة المياه في المنطقة، بعدما دخلت مرحلة الندرة المائية المطلقة، في ظل تزايد الضغوط على مواردها المحدودة نتيجة النمو السكاني السريع، وتداعيات التغير المناخي، والتحديات المرتبطة بحصة البلاد من مياه نهر النيل

 

وتصنف مصر اليوم من ضمن الدول التي دخلت مرحلة الندرة المائية المطلقة، بعدما تجاوزت خط الفقر المائي العالمي بسنوات. فالموارد المائية المتاحة لا تتجاوز 60 مليار متر مكعب سنوياً، في حين تزيد الاحتياجات الفعلية على 80 مليار متر مكعب، ما يفرض عجزاً مائياً متنامياً تحاول الدولة تعويضه عبر إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، والتوسع في معالجة المياه، ورفع كفاءة إدارة الموارد المائية، في وقت تتزايد فيه آثار التغير المناخي وتتكرر موجات الجفاف.

 

تحديات مائية متراكمة في مصر

ويرى الدكتور يحيى محمد متولي خليل، أستاذ الاقتصاد الزراعي في المركز القومي للبحوث، أن هذه التحولات لم تعد أرقاماً في التقارير، بل أصبحت واقعاً يعيشه المزارعون يومياً. فارتفاع درجات الحرارة أدى إلى زيادة الاحتياجات المائية للمحاصيل، وأصبحت الأراضي الزراعية  تحتاج إلى الري مرات أكثر للحفاظ على الإنتاج، فيما يؤدي أي نقص في المياه إلى انخفاض الغلة أو خسارة المحصول بالكامل.

 

 رش مبيدات في إحدى الاراضي في مصر (وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي في مصر)

 

ولا يقتصر الضغط على التغيرات المناخية، بحسب خليل، بل يتداخل مع تحدياتٍ مائية متراكمة تواجهها مصر منذ سنوات، في مقدمها محدودية الموارد المائية والضغوط المرتبطة بسد النهضة الإثيوبي، وما يثيره من مخاوف بشأن تأثيره في حصة مصر التاريخية من مياه نهر النيل البالغة 55.5 مليار متر مكعب سنوياً وفق اتفاقية عام 1959.

 

ويشير إلى أن هذه الكمية لم تعد تواكب الاحتياجات الفعلية، في وقت لا يتجاوز فيه نصيب الفرد من المياه نحو 500 متر مكعب سنوياً، أي ما يعادل نصف خط الفقر المائي المعتمد دولياً والبالغ ألف متر مكعب للفرد.

 

سكان أكثر... ومياه أقل

وتتفاقم هذه الضغوط مع الزيادة السكانية التي تقدر بنحو مليوني شخص سنوياً، الأمر الذي يرفع الطلب على الغذاء والمياه في آن واحد، ويضع القطاع الزراعي أمام معادلة أكثر تعقيداً. ورغم ذلك، يرى أن الحكومة المصرية اتجهت إلى التعامل مع هذه التحديات عبر استراتيجية تجمع بين ترشيد استخدام المياه والتوسع في الرقعة الزراعية، حيث ارتفعت المساحات المزروعة من نحو 8.9 ملايين فدان عام 2014 إلى أكثر من 11 مليون فدان مع بداية عام 2026.

 

ولتحقيق ذلك، اعتمدت الدولة، وفق خليل، على تحديث أنظمة الري بالتحول تدريجاً من الري بالغمر إلى الري بالرش والتنقيط، إلى جانب إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والاستفادة من المياه الجوفية لتأمين احتياجات المشروعات الزراعية الجديدة. وساهمت هذه الإجراءات، رغم الظروف المناخية الصعبة، في الحفاظ على نمو الإنتاج الزراعي ورفع الصادرات إلى نحو 10 ملايين طن سنوياً.

 

حصاد واسع النطاق للبطاطا في مصر، وهي دولة منتجة رئيسية لهذا المحصول (وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي في مصر)

 

غير أنه يلفت إلى مفارقة يصفها بأنها "معقدة"، إذ إن تصدير المنتجات الزراعية يعني عملياً  تصدير كميات كبيرة من المياه المستخدمة في إنتاجها، فيما تعاني البلاد أصلاً من ندرة مائية متزايدة. ويختم قائلاً إن الحفاظ على هذا التوازن بين تحقيق الأمن الغذائي، وتعزيز الصادرات، وإدارة الموارد المائية المحدودة، سيبقى أحد أكبر التحديات التي تواجه السياسات الزراعية في مصر خلال السنوات المقبلة، في ظل استمرار آثار التغير المناخي وتزايد الضغوط على الموارد الطبيعية.

 

وبينما تواصل مصر توسيع رقعتها الزراعية وتحديث أنظمة الري لتعويض جزء من فجوة المياه، يبقى التحدي الأكبر في كيفية تحقيق التوازن بين تزايد الطلب على الغذاء وتراجع الموارد المائية عاماً بعد آخر.

 

ففي بلد دخل مرحلة الندرة المائية المطلقة، أصبحت مواجهة الجفاف ضرورة لحماية الأمن الغذائي وضمان استدامة الزراعة. ومع استمرار تغير المناخ وتزايد الضغوط على مياه النيل، تبدو كل قطرة ماء عنصراً حاسماً في معركة تعني مستقبل ملايين المصريين.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية