مشروع قانون الفجوة المالية لا يتناسب مع أزمة نظامية

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

في الأسابيع الأخيرة، عاد الحديث بقوة عن توصيف الأزمة اللبنانية باعتبارها "أزمة نظاميّة" (Systemic Crisis)، وهو توصيف أعطي أهميًّة خاصّة بعد المواقف الأخيرة لـ صندوق النقد الدولي وكلام حاكم مصرف لبنان. إلا أن الدّقة العلمية تقتضي الإشارة إلى أنّ صندوق النّقد لم يغيّر جوهر تشخيصه للأزمة. ففي تقرير عام 2022 كان الصّندوق يتحدّث بوضوح عن أزمة سيادية ـ مصرفية ـ نقدية غير مسبوقة، وعن انهيار متعدّد البعد أصاب الدّولة والقطاع المالي والاقتصاد والنظام النقدي في آن واحد. كذلك أشارت المادّة الرّابعة من تقرير 2023 إلى "الطّابع النظامي للأزمة الماليّة" (systemic nature of the financial crisis)  وإلى أنّ حجم الخسائر غير مسبوق. الجديد اليوم ليس في جوهر التّشخيص، بل في وضوح التّوصيف، وهو ما يفترض أن ينعكس تعديلاً جوهرياً في مشروع قانون الفجوة الماليّة وفي مجمل الإصلاحات المرتبطة بمسار التّعافي الطّويل.

في تعريفها الاقتصادي، "الأزمة النظاميّة" أزمة بنيويّة تصيب ركائز النظام بأكمله ولا تقتصر على مؤسّسة أو قطاع معيّن. فهي تنشأ بسبب اختلالات متشابكة ومتراكمة في الماليّة العامّة والسياسة النّقدية والقطاع المالي والمصرفي والحوكمة والمؤسسات. ينتج من هذا النّوع من الأزمات خللاً شاملاً ومترابطاً يهدد استقرار النظام الاقتصادي برمّته، وهذا تحديداً ما حصل في لبنان! فالأزمة لم تكن نتيجة تعثّر مصرف معيّن أو سوء إدارة مصرفيّة معزولة، بل نتاج نموذجٍ اقتصاديٍ وماليٍ كامل قامت فيه الدولة بتراكم العجوزات والديون، ومصرف لبنان بتمويل هذا النّموذج والمحافظة عليه، وشاركت المصارف في تمويله من خلال توظيفاتها المفرطة لدى الدّولة والمصرف المركزي. 

بناءً على ما تقدّم، نشدّد على أنّ توصيف أزمة لبنان على أنّها "أزمة نظاميّة" لا يبرئ المصارف أو يخفف مسؤوليتها، بل يضعها في إطارها الصّحيح كشريكٍ أساسي في الأزمة إلى جانب الدّولة ومصرف لبنان. فالأزمة اللبنانية هي في جوهرها أزمة حوكمة وسياسات عامّة ونموذج اقتصادي ومصرفي ومالي انهارت جميع مكوناته في الوقت نفسه. لذلك فالاعتراف بالطابع النظامي للأزمة لا يشكل تهرّباً من المسؤوليات كما يحاول البعض الإيحاء، بل على العكس تماماً. إنّه المدخل الوحيد لتحديد المسؤوليات بصورة عادلة. فاختزال الأزمة في القطاع المصرفي وحده لا يحقّق العدالة، بل يحجب مسؤولية الدّولة ومصرف لبنان والسياسات الماليّة والنّقدية والرّقابية التي ساهمت جميعها إلى جانب المصارف في إنتاج الانهيار. الأزمة النظاميّة لا تعفي أحداً من المسؤوليّة، بل تمنع إعفاء أيّ طرف منها.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية