مسيرات دفاعية في الشرق الأوسط.. طبقة أرخص أم نهاية الدفاعات الباهظة؟
في الحروب الأخيرة، لم تكن المشكلة في إسقاط المسيّرات فقط، بل في كلفة إسقاطها؛ فحين تتصدى منظومات دفاع جوي بملايين الدولارات لمسيّرة رخيصة من طراز "شاهد"، يصبح الاعتراض الناجح جزءاً من معادلة استنزاف أوسع. من هنا تبرز منظومة "ميروبس" نموذجاً لتحوّل جديد في الدفاع الجوي؛ مسيّرة اعتراضية صغيرة مدعومة بالذكاء الاصطناعي تطارد مسيّرة أخرى، بدل إطلاق صاروخ باهظ لاعتراضها.
يأتي هذا التحول في لحظة حساسة يشهدها الخليج. فقد أظهرت الحرب الأخيرة أن الدفاعات الأميركية والخليجية، رغم كثافتها وتعدد طبقاتها، تواجه ضغطاً متزايداً على المخزون والكلفة. وتعمل بطاريات باتريوت وثاد والرادارات بعيدة المدى في السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين ضمن شبكة طبقية لحماية القواعد والمدن والبنى النفطية. لكن الهجمات الكثيفة بالمسيّرات والصواريخ فرضت سؤالاً جديداً: كيف نحفظ المنظومات الأعلى كلفة للتهديدات الأخطر، مع إيجاد طبقة أرخص ضد المسيّرات منخفضة التكلفة؟
"ميروبس".. حين يطارد الدرون دروناً
على خلاف منطق الاعتراض التقليدي، لا تراهن منظومة "ميروبس" على صاروخ باهظ في مواجهة مسيّرة رخيصة، بل على مسيّرة اعتراضية صغيرة تطارد الهدف جوّاً. والمنظومة، التي طوّرها مشروع "بروجكت إيغل" المدعوم من إريك شميت، الرئيس التنفيذي السابق في "غوغل"، تستخدم الذكاء الاصطناعي ضمن شبكة من الرادارات والمستشعرات والبرمجيات لرصد المسيّرات الانتحارية وتعقبها ثم اعتراضها.
وفي هذا السياق، لم تكتفِ أوكرانيا بعرض خبرتها على دول الخليج، بل بدأت بتحويلها إلى اتفاقات دفاعية. فبعد سنوات من مواجهة مسيّرات "شاهد" الروسية، عرض الرئيس فولوديمير زيلينسكي إرسال خبراء في إسقاط المسيّرات إلى المنطقة، ولوّح بتزويد الحلفاء بمسيّرات اعتراضية أوكرانية مقابل مزيد من صواريخ الدفاع الجوي الغربية، وعلى رأسها باتريوت.
وفي الأسبوع الأخير من مارس/آذار 2026، انتقل هذا التعاون إلى تفاهمات دفاعية فعلية، تقوم على تبادل الخبرات والتقنيات الأقل كلفة في مواجهة المسيّرات؛ إذ أعلن زيلينسكي توقيع اتفاق مع السعودية، ثم اتفاق لعشر سنوات مع قطر، مع الاستعداد لتوقيع اتفاق مماثل مع الإمارات.
كما برزت مسيّرات اعتراضية مثل "ستينغ" التي جذبت زبائن في الشرق الأوسط، ما يعكس انتقال الخبرة الأوكرانية من ساحة الحرب إلى سوق خليجية تبحث عن حلول أسرع وأرخص.
داخل هذا المشهد تظهر "ميروبس". وبحسب مصدر قريب من الشركة المطوّرة تحدّث إلى "النهار" مفضّلاً حجب هويته، يمكن تأكيد أن المنظومة نُشرت في الشرق الأوسط، بما في ذلك ضمن نطاق مسؤولية القيادة المركزية الأميركية.
ويصفها المصدر بأنها "حزمة اعتراض مضادة للمسيّرات"، صُممت أساساً لاستهداف مسيّرات "شاهد" الهجومية والذخائر الجوالة طويلة المدى. وفي أوكرانيا تُستخدم غالباً ضد "شاهد"، وقد أسقطت حتى الآن أكثر من 4000 مسيّرة روسية، غالبيتها الساحقة من هذا الطراز.

تعتمد المنظومة على منطق "درون ضد درون": فبدل انتظار الهدف ثم اعتراضه بصاروخ مرتفع الكلفة، تطلق "ميروبس" مسيّرة صغيرة لملاحقته والانقضاض عليه. وتكمن أهميتها في ملء الفراغ بين الدفاعات القصيرة المدى والمنظومات الثقيلة مثل باتريوت وثاد؛ فهي لا تستبدل المظلة الدفاعية، بل تضيف طبقة أقل كلفة وأنسب لمواجهة المسيّرات البطيئة والذخائر الجوالة.
ويقول المصدر إن الذكاء الاصطناعي يدخل في وظائف عدة، منها التعرّف الآلي على الهدف والتوجيه النهائي والقفز الترددي لتفادي التشويش، لكنه يؤكد أن كل قرارات الاستهداف تتطلب موافقة مشغّل بشري قبل الضربة. وحين سُئل إن كان الإنسان حاضراً دائماً في قرار الاشتباك النهائي، أجاب: "نعم".
لا نهاية لـ"باتريوت"... بل إعادة توزيع للأدوار
لكن ذلك لا ينهي الجدل حول دور الذكاء الاصطناعي العسكري في الدفاعات. فبحسب فرانك ساور، رئيس الأبحاث في معهد "ميتيس" بجامعة القوات المسلحة الألمانية في ميونخ، لا ينبغي التعامل مع الذكاء الاصطناعي في السلاح كفئة واحدة.
ويقول ساور لـ"النهار" إن الأهم هو "التمييز ورسم صورة تفصيلية لما يفعله الذكاء الاصطناعي، وفي أي سياق وتطبيق عسكري بعينه"؛ فثمة فارق بين نظام يدمج بيانات الاستشعار، وآخر يقدّم التوجيه النهائي، وثالث يدعم قرار الاشتباك، ولكلٍّ فرصه ومخاطره.
ويرى أن أوكرانيا تكشف قبل كل شيء إمكان استخدام الآلات لإبعاد البشر عن الخطر، لكنه يذكّر بأن غالبية الأنظمة غير المأهولة هناك لا تزال تُشغّل عن بُعد. أما في الكلفة، فيحذّر من المبالغة في إعلان نهاية الدفاعات الباهظة، قائلاً: "لن تكون هناك نهاية للدفاع الجوي المكلف، لأن الهجمات الجوية المكلفة ستظل تتطلب دفاعاً جوياً مكلفاً".
ويوضح أن إطلاق باتريوت على مسيّرة شاهد ليس الخيار المثالي عادة، لأن "الطريقة المفضّلة للتصدي لذخيرة رخيصة هي إجراء مضاد رخيص، وإلا فكأنك ترمي سيارة فيراري على قرص فريسبي" — في إشارة إلى قرص بلاستيكي خفيف يُستخدم في الألعاب. لكنه يضيف أن اللجوء إلى وسيلة باهظة يبقى منطقياً إذا كانت المسيّرة تتجه نحو مصنع ذخيرة أو مدرسة أو مستشفى.
بهذا المعنى، لا تمثل منظومة "ميروبس" وغيرها من أنظمة المسيرات الدفاعية نهاية باتريوت وثاد، بل بداية إعادة ترتيب أدوار الدفاع الجوي. فالمنظومات الثقيلة ستبقى ضرورية أمام الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز الأعقد، بينما تتقدّم المسيّرات الاعتراضية طبقةً أرخص ضد تهديدات أقل كلفة وأكثر كثافة. والسؤال في منطقتنا لم يعد: هل يمكن إسقاط الهدف؟ بل: بأي ثمن، وبأي طبقة من الدفاع؟