مختصون يحذرون من اختزال النجاح في الشهرة الرقمية والمداخيل السريعة

أعاد تزايد لجوء بعض “المؤثرين” المغاربة إلى الترويج لمنصات المحتوى المدفوع وغيرها من التطبيقات التي تقوم على تحقيق الأرباح من خلال الصورة والمحتوى الشخصي النقاش بشأن تأثير شبكات التواصل الاجتماعي على منظومة القيم داخل المجتمع المغربي، خاصة في أوساط الأطفال والمراهقين الباحثين عن نماذج للنجاح وتحقيق الذات.

وباتت هذه المنصات التي يحرص عدد من صناع المحتوى على تقديمها باعتبارها وسيلة لتحقيق دخل مرتفع في فترة زمنية قصيرة تطرح تساؤلات متزايدة حول الرسائل التي يتلقاها المراهقون يوميا عبر هواتفهم الذكية، ومدى انعكاسها على تصوراتهم للعمل والنجاح والمسار المهني.

وفي وقت يرى البعض أن هذه المنصات تندرج ضمن حرية الاختيار الفردي والاستفادة من الاقتصاد الرقمي يحذر متتبعون وخبراء من اختزال النجاح في الشهرة وعدد المتابعين والمداخيل السريعة، لما قد يخلفه ذلك من آثار تربوية واجتماعية على الأجيال الصاعدة.

ولم تقتصر التحولات التي فرضتها المنصات الرقمية على أنماط الاستهلاك أو الترفيه، بل امتدت إلى طبيعة الشخصيات التي أصبحت تحظى بالإعجاب والتأثير لدى جزء من الشباب، فبعدما كان الطبيب أو الأستاذ أو المهندس أو الباحث العلمي يشكل نموذجا للنجاح الاجتماعي لدى فئات واسعة بات “المؤثر الرقمي” يحظى بحضور أكبر داخل الفضاء الافتراضي، مستفيدا من الانتشار الواسع للمحتوى المرئي وسهولة الوصول إلى الجمهور.

في هذا السياق قالت هاجر مجبر، خبيرة تربوية و”كوتش” مختصة في التربية الإيجابية، في تصريح لهسبريس، إن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم من أبرز القضايا التي تفرض نفسها داخل الأسر والمؤسسات التعليمية، مبرزة أنها تمثل “سلاحا ذا حدين”، خاصة بالنسبة إلى المراهقين والشباب الذين مازالوا في مرحلة بناء هوياتهم الشخصية وتحديد اختياراتهم المستقبلية.

وأوضحت مجبر أن هذه الفئة العمرية تعيش تحولات نفسية واجتماعية متسارعة، وتكون في حاجة إلى نماذج إيجابية تساعدها على بناء مشروعها الشخصي، غير أن بعض المنصات الرقمية تقدم صورة توحي بأن تحقيق المال أمر سهل ومتاح للجميع، عبر الرقص أو استعراض الجسد أو تقديم محتويات تجعل من الصورة والمظهر رأس المال الأساسي لصاحب المحتوى.

وأضافت المتحدثة ذاتها أن هذا الواقع يضع المراهق أمام منظومتين متناقضتين؛ الأولى واقعية تقوم على الاجتهاد والتعلم واكتساب المهارات والعمل المتواصل، بينما تقوم الثانية على منطق افتراضي يجعل النجاح يبدو متاحا دون جهد حقيقي، من خلال عدد المشاهدات والتفاعلات والإعجابات التي تحصدها المقاطع القصيرة.

وأبرزت الخبيرة التربوية أن الطفل أو المراهق قد يجد نفسه أمام نماذج رقمية تحقق شهرة ومداخيل مالية مهمة في سن مبكرة، وهو ما يخلق لديه صراعا داخليا غير واع بين ما يتلقاه من الأسرة والمدرسة حول قيمة العمل والمثابرة وما يشاهده يوميا على المنصات الاجتماعية من قصص نجاح تبدو سريعة وسهلة المنال.

وأكدت هاجر مجبر أن خطورة هذه الظاهرة لا تتوقف عند تغيير مفهوم النجاح فقط، بل تمتد إلى التأثير على علاقة المراهق بالأسرة وبالمحيط المدرسي، وأوردت في حديثها مع هسبريس أن بعض الشباب قد يصبحون أقل اقتناعا بأهمية الدراسة والتكوين عندما يعتقدون أن تحقيق دخل شهري مرتفع ممكن عبر منصات رقمية تعتمد أساسا على المحتوى الاستعراضي أو الترفيهي، مضيفة أن ذلك قد ينعكس على مستوى التحصيل الدراسي والدافعية نحو التعلم واكتساب المهارات.

كما أشارت المصرحة إلى أن المقارنة المستمرة بين الحياة الواقعية وما يتم عرضه على مواقع التواصل الاجتماعي قد تؤدي إلى الشعور بعدم الرضا الدائم وتدني تقدير الذات، فضلا عن بروز توترات داخل الأسرة، خصوصا عندما يحاول الآباء مراقبة استخدام أبنائهم للهواتف أو تتبع أنشطتهم الرقمية.

وفي خضم هذا النقاش تبرز مسؤولية “المؤثرين والمؤثرات” الذين يتابعهم ملايين الشباب، خاصة عندما يتم تقديم بعض أنماط العيش أو مصادر الدخل باعتبارها طريقا سهلا ومضمونا للنجاح.

وفي هذا الصدد شددت الخبيرة التربوية على أن عددا من “المؤثرين” راشدون ومدركون لحجم تأثيرهم على الجمهور، معتبرة أن تقديم صورة مثالية ومضللة عن الحياة الرقمية قد يدفع بعض الفتيات والشبان الذين مازالوا في مرحلة بناء الشخصية إلى تقليد هذه النماذج دون وعي كامل بالتحديات أو العواقب المرتبطة بها.

وختمت هاجر مجبر حديثها بالتأكيد على أهمية دور الأسرة والمدرسة ومختلف المؤسسات التربوية في التوعية والتثقيف وغرس القيم الإيجابية، مشددة على ضرورة تنظيم لقاءات وندوات تحسيسية داخل المؤسسات التعليمية للتأكيد على أن النجاح الحقيقي يقوم على الجهد والتعلم والمثابرة.

وأضافت الخبيرة نفسها أن إعادة الاعتبار لقيم العمل المنتج والاجتهاد أصبحت اليوم ضرورة ملحة، حتى لا يتم اختزال النجاح في ممارسات أو سلوكيات قد تحقق أرباحا على بعض المنصات الرقمية، لكنها لا تشكل بالضرورة نموذجا متوازنا لبناء المستقبل أو تحقيق الذات.

من جهته قال كمال هلوان، المستشار النفسي والتربوي، إن شبكات التواصل الاجتماعي تحدث تأثيرا عميقا ومزدوجا على منظومة القيم داخل المجتمع، سواء من الجانب الإيجابي أو السلبي، مؤكدا أن هذا الواقع يضع على عاتق صناع المحتوى مسؤولية أخلاقية واجتماعية وقانونية كبيرة، بالنظر إلى قدرتهم المباشرة على التأثير في معتقدات وسلوكيات الجمهور، خصوصا الأطفال والمراهقين.

وأضاف هلوان، في تصريح لهسبريس، أن صناع المحتوى يمتلكون قوة إقناع عالية تخول لهم توجيه سلوكيات المتابعين، وخاصة فئة الشباب، نحو الإبداع والنجاح والابتكار، أو دفعهم في المقابل نحو التهور والانحراف، مبرزا أن المحتوى الرائج على المنصات الرقمية يساهم بشكل مباشر في التطبيع مع بعض السلوكيات وترسيخها داخل المجتمع.

وتابع المتحدث ذاته بأن الترويج لقيم العمل والتضامن والتسامح والنزاهة يساهم في بناء مجتمع واع ومسؤول، بينما يؤدي نشر التفاهة والإثارة المجانية إلى تآكل القيم وإضعاف المرجعيات المجتمعية، مشددا على أهمية المصداقية والشفافية في صناعة المحتوى، من خلال تقديم معلومات صحيحة ومحاربة الأخبار الزائفة، والابتعاد عن استغلال الأطفال والشباب في صناعة الجدل وتحقيق الأرباح على حساب القيم المجتمعية.

وأبرز الخبير المغربي أن من بين الأدوار الأساسية لصناع المحتوى المساهمة في تعزيز الهوية الثقافية للمجتمع وربط الأجيال بجذورها وقيمها في ظل الانفتاح الرقمي العالمي المتسارع.

وبخصوص انعكاسات خطاب صناع المحتوى على الأطفال والمراهقين أوضح هلوان أن هذا الخطاب أصبح يؤثر بشكل مباشر في تشكيل الهوية والقيم وأنماط التفكير والسلوك لدى الأجيال الصاعدة، إلى درجة تحول فيها بعض المؤثرين إلى مرجعيات أساسية في الحياة اليومية لهذه الفئة، معتبراً أن الأمر يشكل سلاحاً ذا حدين.

وتابع المصرح نفسه بأن المراهقين يميلون إلى تقليد صناع المحتوى في أسلوب حياتهم وطريقة كلامهم ومظهرهم الخارجي وحتى في طريقة تفكيرهم، وهو ما قد يؤدي إلى إعادة صياغة مفاهيم النجاح والجمال وفق معايير غير واقعية أو سطحية؛ كما لفت إلى أن التعرض المستمر لمحتوى يعرض أنماط حياة مثالية وصورا غير واقعية قد ينعكس سلبا على الصورة الذاتية للشباب ويؤدي إلى تدني احترام الذات والشعور بعدم الرضا.

وواصل هلوان بأن الاستهلاك المكثف للفيديوهات القصيرة يؤثر على القدرة على التركيز لفترات طويلة، وقد يساهم في العزلة الاجتماعية والابتعاد عن التفاعلات الأسرية المباشرة، فضلا عن دوره في توجيه القرارات الشرائية للشباب وتعزيز ثقافة الاستهلاك ومواكبة “الترند” بغض النظر عن الحاجة الفعلية أو الإمكانيات المادية.

وفي المقابل شدد المستشار النفسي والتربوي على أن التأثير ليس سلبيا بالكامل، إذ يساهم العديد من صناع المحتوى في نشر المعرفة والقيم الإيجابية، وتحفيز الشباب على تطوير الذات واكتساب المهارات والانخراط في المبادرات المجتمعية والتطوعية، فضلا عن توسيع مداركهم من خلال الاطلاع على ثقافات وتجارب مختلفة.

وبخصوص تأثير منصات تحقيق الدخل القائمة على الجسد والصورة في مفهوم النجاح لدى الشباب المغربي قال هلوان إن هذه المنصات ساهمت في تحويل الانتباه والتفاعل الرقمي إلى رأس مال اقتصادي، ليصبح النجاح لدى جزء من الشباب مرتبطا بالشهرة الافتراضية والربح السريع ومظاهر الثراء أكثر من ارتباطه بالتحصيل العلمي أو المسار المهني التقليدي.

وأضاف المتحدث أن منصات التواصل الاجتماعي ساهمت في الترويج لفكرة الثراء السريع، ما جعل عددا من الشباب يعتبرون صناعة المحتوى الاستعراضي مهنة أساسية تدر أرباحا كبيرة مقارنة بالوظائف التقليدية التي تتطلب سنوات من الدراسة والخبرة، كما أبرز أن الجسد والصورة تحولا لدى البعض إلى ما يشبه الأصول الاقتصادية التي تستثمر لتحقيق الأرباح من خلال الإعلانات والشراكات التجارية.

وأردف الخبير عينه بأن هذا التحول أدى إلى بروز فئة جديدة من النجوم والمؤثرين الذين أصبحوا يشكلون نماذج للنجاح في نظر المراهقين والشباب، متجاوزين في كثير من الأحيان المكانة الرمزية التي كانت تحتلها النخب الثقافية والعلمية والمهنية داخل المجتمع.

وأشار هلوان إلى أن صناع المحتوى أصبحوا “أبطال الجيل الجديد”، بفضل قدرتهم على التواصل المباشر مع الجمهور وكسر الحواجز التقليدية، إضافة إلى اعتمادهم على مشاركة تفاصيل حياتهم اليومية وبناء علاقات قائمة على القرب والثقة مع المتابعين، فضلا عن تأثيرهم الاقتصادي الكبير وقدرتهم على توجيه الآراء والاختيارات في مجالات متعددة.

وشدد المتحدث على أن تحول بعض المؤثرين إلى قدوات للمراهقين يفرض تحديات جديدة على الأسرة والمدرسة والمجتمع، خصوصا أن مرحلة المراهقة تعد مرحلة حاسمة في بناء الشخصية والهوية، معتبرا أن الحل لا يكمن في منع الشباب من استخدام المنصات الرقمية، بل في تنمية الحس النقدي لديهم وتمكينهم من التمييز بين المحتوى المفيد والمحتوى الذي يتعارض مع قيمهم ومبادئهم.

وختم كمال هلوان تصريحه بالتأكيد على أن التأثير المتزايد لصناع المحتوى أصبح واقعا لا يمكن تجاهله، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في توجيه هذا التأثير ليصبح مصدر إلهام إيجابي يساهم في بناء جيل واع، قادر على التوفيق بين الانفتاح على العالم والتمسك بقيمه وهويته الثقافية.

The post مختصون يحذرون من اختزال النجاح في الشهرة الرقمية والمداخيل السريعة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress