"محامي بنبركة" بوتان يفارق الحياة
في سنة عيشه الثامنة بعد التسعين، رحل موريس بوتان، ابن مدينة مكناس الذي ارتبط اسمه بملف السياسي المهدي بنبركة، الذي اختطف بباريس يوم 29 أكتوبر من سنة 1965، واختفى دون معرفة عائلة ورفاق حزبه “الاتحاد الوطني” مرقده الأخير، ودون حسم قاطع في ملفه، الذي يعتبر مغربيا أبرز الملفات المنتظرة لـ”الحقيقة الكاملة”، حتى بعد تحقيقات هيئة “الإنصاف والمصالحة”، وتسلم أبناء حزبه مقاليد الحكومة، بما في ذلك الوزارة الأولى ووزارة العدل.
المحامي موريس بوتان وُلد بالمغرب، بالعاصمة الإسماعيلية في 10 دجنبر من سنة 1928، وكان من سليلي العائلات الفرنسية المناهضة للاستعمار، وقد بدأ عمل المحاماة متدربا بمكناس سنة 1952، ثم عمل بهيئة الرباط منذ سنة 1954، وكان من أسماء “الفرنسيين الأحرار”، المجموعة المطالبة بالاستجابة لمطالب الشعوب بخروج الاحتلال الأجنبي من بلدانها.
هذا المحامي عرف أيضا في فرنسا بدفاعه عن قضايا حقوق الإنسان، ومن بينها القضايا المرتبطة بحقوق الفلسطينيين وفلسطين المحتلة، وكان ممن شاركوا في إنشاء “مجموعة البحث والعمل من أجل القضية الفلسطينية”.
ودافع المحامي الراحل عن وطنيّين مغاربة خلال السنوات الأخيرة قبل جلاء الاستعمار، ودافع بعد الاستقلال عن آخرين في المحاكمات والصراعات التي عرفها مغرب نهاية الخمسينات والنصف الأول من الستينات، قبل أن يغادر مسقط رأسه ليلتحق بهيئة المحامين بباريس، بسبب ارتباط اسمه بالملف الذي خصص له جل حياته المهنية: اختطاف المهدي بن بركة.
هذا الملف منع بوتان من دخول مسقط رأسه المغرب سبع عشرة سنة، ورافقه إلى رمقه الأخير، وهو ما شهد عليه في كتابه “الحسن الثاني، ديغول، بن بركة: ما أعرفه عنهم”.
وحول التحاقه بـ”الفرنسيين الأحرار” ودفاعه في المحاكم عن بعض رجال “الحركة الوطنية”، ربط موريس بوتان ذلك، في كتابه المذكور، بأبيه أولا “الذي كان له أكبر الأثر في تكويني كمسيحي لائكي منخرط في قضايا المدينة”، مردفا: “يرى والدي وهو الرجل المؤمن بالله وبالإنسان أن الحس الأخلاقي هو أعز ما يُطلب. والحس الأخلاقي عنده ينبني على مجموعة من القيم مثل الشرف والعدالة والتسامح والحرية والحقيقة والاحترام وكرامة الشخص، أكان مؤمنا بالله أم لم يكن. ولم يكن يتوانى عن التصدي لكل تمييز عرقي واجتماعي ويرى فيه أكبر مظهر من مظاهر الظلم”.
كما يحكي بوتان في مؤلفه التاريخي والسيري أيضا، كيف “أصبحت عودة السلطان محمد بن يوسف إلى عرشه قضيتنا العمومية الكبرى”، ويحكي كيف استُقبل “الفرنسيون الأحرار” بعد عودة الملك محمد الخامس من المنفى، واعتبار الملك الحسن الثاني لهم بعد ذلك “فرنسيين مغاربة”، مما جعله يختار أن يلتقي بهم مع “الجالية المغربية بباريس”، بوصفهم جزءا لا يتجزأ منها.
ثم يعلق المحامي وصاحب الرأي على ما عاشه بعد الاستقلال: “كثيرا ما تكفلت بالدفاع عن بعض رجال الحركة الوطنية في قضايا الحق العام أو أمام المحاكم العسكرية. وبما أن الأسباب نفسها تؤدي إلى النتائج نفسها، فإنني قمت بالدفاع بعد الاستقلال، في العشرية الممتدة من 1956 إلى 1966، عن أولئك الذي يناضلون ضد السلطة الجديدة”.
ليزيد بعد ذلك: “علي أن أعترف بأنني لم أجد أي مشاكل خاصة طوال المدة التي قضيتها بالمغرب معبرا عن رأيي، ومحاميا في بعض القضايا. ولكن، ما إن غامرت باتخاذ قرار الانتقال إلى باريس في أول محاكمة في قضية بن بركة، في شتنبر 1966، أكرهت على أن أغادر بعدها المغرب … أنا لم أغادر المغرب وإنما هو الذي غادرني حينها!”.
ونعت عائلة المهدي بنبركة محاميها موريس بوتان، في بيان باسمها وقعه نجل المهدي بشير بنبركة: “بحزن كبير تلقينا وفاة موريس بوتان. المحامي التاريخي للعائلة، الصديق، الذي كان تخاطبه أمنا بـ’أخي’. رحل، وترك فراغا كبيرا كان يقطنه في قلوبنا”.
وتابعت عائلة بنبركة: “موريس بوتان محامي العائلة منذ ما يزيد عن ستين سنة. أقل ما يقال إنه كان تجسيد نضال الحقيقة، والعدالة، والذاكرة. لقد اختارته أم المهدي بنبركة فور إعلان اختطاف ابنها. وقالت لأخواته: إن حصل لي أي شيء، توجهوا إلى السيد بوتان”.
وسجلت عائلة أبرز السياسيين المغاربة بعد الاستقلال أن موريس بوتان قد حمل “نضاله من أجل الحقيقة حتى آخر رمق”، موردة أن كثيرا من المغاربة والفلسطينيين في حداد لرحيله، علما أنه بعد ما يزيد عن نصف قرن من حمل قضاياهم، لم يضعف إيمانه وعمله من أجل “الحقيقة في اختطاف واختفاء المهدي بن بركة، والنضال من أجل الاعتراف بالحقوق الدولية للشعب الفلسطيني”.
The post "محامي بنبركة" بوتان يفارق الحياة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.