مجلس الشّعب السّوري... تمثيل شعبي أم اكتمال خريطة السّلطة؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

بعد أشهر من التأخر، اكتمل عقد مجلس الشعب السوري الجديد عددياً، مع إعلان الثلث الرئاسي المؤلف من 70 عضواً، لينضم إلى 137 عضواً اختيروا عبر الهيئات الناخبة، في مجلس يضم 210 مقاعد نظرياً و207 مقاعد مشغولة فعلياً، بعد بقاء المقاعد الانتخابية الثلاثة المخصصة للسويداء خارج العملية. وبذلك تكتمل أيضاً، على المستوى الشكلي، تركيبة السلطة الانتقالية، مع وجود رئاسة وحكومة ومجلس شعب. غير أن اكتمال الشكل لا يجيب عن السؤال الأهم، وهو: أي تمثيل أنتجته هذه العملية؟ وأي خريطة سياسية واجتماعية تكشفها الأرقام؟

 

رسمياً، قُدمت الصيغة بوصفها ضرورة انتقالية فرضتها ظروف الحرب والنزوح واضطراب السجلات وتعذر إجراء الاقتراع العام المباشر. وهي حجة لها وجاهتها في بلد تبدلت فيه خرائط السكان والسيطرة والوثائق. لكن تقييم التجارب الانتقالية لا يرتبط فقط بالحاجة إلى الاستثناء، بل أيضاً بطريقة تنظيمه، وإعلان قواعده، ومنع تحوله إلى أداة احتكار.


في الحالة السورية، اختير ثلثا المجلس عبر هيئات ناخبة تشكلت من خلال لجان شكلتها لجنة عليا عيّنها الرئيس أحمد الشرع، ثم جاء الثلث الرئاسي ليكمل النتيجة، فيعالج بعض أوجه الخلل ويكرّس جوانب أخرى.

 

الأرقام ترسم التوازنات

أول اختبار لقراءة المجلس يبدأ من توزيع المقاعد بين المحافظات. فأول ما تكشفه الأرقام هو ثقل حلب، إذ حصلت المحافظة على 46 مقعداً، بينها 14 من الثلث الرئاسي، أي ما يقارب 22 في المئة من المقاعد المشغولة. ولا يفسر الوزن السكاني وحده هذه الصدارة، ولا سيما عند مقارنتها بدمشق وريف دمشق معاً، أو عند ملاحظة أن إدلب وريف دمشق وحماة والحسكة تقاسمت الرقم نفسه تقريباً، بواقع 17 مقعداً لكل منها. وكانت وكالة "سانا" قد أعلنت أن حلب نالت الحصة الأكبر في التعيينات الرئاسية، تلتها الحسكة بسبعة أعضاء، ثم حمص ودير الزور بستة لكل منهما.

 

ولا تبدو هذه الخريطة قائمة على الاعتبارات السكانية وحدها. فإدلب، وهي أقل سكانياً من ريف دمشق وفق مرجعيات ما قبل الحرب، تساوت معه في الحصة النهائية. كما ارتفع تمثيل الشرق عبر الحسكة ودير الزور والرقة، ليس بوصفه كتلة سكانية فقط، بل باعتباره ملفاً أمنياً وسياسياً واقتصادياً يرتبط بـ"قسد" والعشائر والموارد والحدود.


في المقابل، بقي الساحل ضمن توازنات محسوبة، إذ نالت اللاذقية 11 مقعداً وطرطوس سبعة مقاعد، من دون "فائض طمأنة" سياسي في منطقة تحمل حساسية خاصة بعد سقوط النظام السابق. أما السويداء، فتمثل الحالة الأوضح، إذ لم تدخلها العملية الانتخابية بسبب الوضع الأمني، واقتصر تمثيلها على عضوين عيّنهما الرئيس، بما يجعل حضورها رئاسياً أكثر منه انتخابياً.

 

رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب محمد طه الأحمد يعلن أسماء الثلث الرئاسي لمجلس الشعب في دمشق، 30 حزيران/يونيو 2026. (الأناضول)

 

وظيفة الثلث الرئاسي

تكشف قائمة السبعين أيضاً الوظيفة السياسية للثلث الرئاسي. فهو تجاوز كونه إضافة عددية، ليصبح أداة لإعادة ترتيب الصورة، سواء عبر رفع تمثيل النساء، أو إدخال بعض رموز المعارضة السابقة، أو تعزيز حضور الحسكة والشرق، إلى جانب تمثيل محدود للسويداء وبعض المكوّنات.

 

وكان متوقعاً أن تعالج التعيينات ضعف تمثيل النساء، وأن تعزز حضور الأكراد، ولا سيما في المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة "قسد". إلا أن هذه المعالجة جاءت من أعلى، إذ بقيت السلطة هي التي اختارت من يمثل هذا النقص، من دون قواعد انتخابية معلنة تضمن هذا التمثيل.

 

وفي ملف النساء، بدا الثلث الرئاسي تصحيحاً ضرورياً أكثر منه دليلاً إلى عدالة العملية. فقد رفع العدد، لكن النسبة بقيت عند حدود 10 في المئة تقريباً، بما يؤكد أن الخلل بدأ من هندسة اللجان والهيئات والوجاهات المحلية، ثم جرى ترميمه من الأعلى من دون تغيير القاعدة.

ولا يقتصر النقاش على التوزيع الجغرافي أو تمثيل النساء، إذ ينسحب أيضاً على طبيعة التمثيل السياسي. وعلى هذا الصعيد، لا يعني إدخال شخصيات من الائتلاف وهيئة التفاوض والمجلس الوطني الكردي، أو شخصيات قريبة من الملف الكردي، بالضرورة، تمثيل هذه القوى بوصفها قوى سياسية منظمة.

 

بين التمثيل والشرعية

وفي هذا السياق، يقول محمد شكيب الخالدي، رئيس مكتب التواصل في "التحالف السوري الديموقراطي"، لـ"النهار"، إنه "لا يمكن الحديث عن مجلس شعب يمثل السوريين بتشكيلته الحالية"، معتبراً أنه "يمثل توجه السلطة أكثر مما يمثل المجتمع السوري".

ويربط الخالدي ذلك بغياب قانون ينظم عمل الأحزاب، وباختيار السلطة أفراداً لا قوى سياسية، فضلاً عن أن الصلاحيات الممنوحة للمجلس، في رأيه، "تنزع عنه أي سلطة رقابية"، ما يجعل الحديث عن سلطة تشريعية مستقلة كاملة الصلاحيات "أمراً بالغ الصعوبة".

من جهته، يذهب السياسي السوري أنس جودة إلى أبعد من ذلك، واصفاً مسار تشكيل المجلس بأنه "هندسة رديئة للاحتكار". فالمسألة، في قراءته،  تتعدى غياب الاقتراع المباشر إلى "محاولة إنتاج سلطة احتكارية تفتقر إلى أدوات التوازن المجتمعي"، وانتهت العملية إلى "تمثيل شخصي لا تمثيل سياسي"، داخل مجلس أقرب إلى "مجلس إداري أو لجنة استشارية للرئاسة" منه إلى سلطة تشريعية قائمة بذاتها.

ويرى السياسي السوري سمير هواش أن آلية اللجان وحصة الرئيس تعكسان محاولة لضمان برلمان "يعكس توجه الرئاسة". ويقر بأن الثلث الرئاسي أحدث تعديلاً جزئياً عبر تعزيز حضور النساء وبعض شخصيات الأقليات، لكنه يعتبر أن التعيين "يمثل عقلية السلطة أكثر مما يمثل الشارع أو الإرادة الشعبية". وبرأيه، فإن المجلس، رغم اختلافه عن مجالس النظام السابق، "يماثله في الواقع" إذا بقي عاجزاً عن الرقابة على السلطتين التنفيذية والأمنية، وعن سن قوانين تحمي السلم الأهلي.

وفي المحصلة، لا يقدم الإعلان عن مجلس الشعب الجديد جواباً كاملاً عن أزمة التمثيل في سوريا، بل يعكس، من خلال أرقامه وآلية تشكيله، طبيعة المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد. فهو مجلس فرضته ظروف استثنائية في بلد يحتاج إلى مؤسسات، لكنه يكشف أيضاً الطريقة التي تنتج بها السلطة شرعيتها عبر انتخاب غير مباشر، وتعيين رئاسي واسع، وتوازنات جغرافية تميل إلى الشمال والشرق، وحضور نسائي جرى تعزيزه من الأعلى، وتمثيل سياسي يقوم على اختيار أفراد أكثر مما يقوم على إدماج قوى سياسية.

ويبقى السؤال الذي سيحمله المجلس إلى جلسته الأولى أبعد من أسماء أعضائه، إذ يتعلق بما إذا كان سينجح في التحول إلى سلطة تشريعية فاعلة، أم سيبقى واجهة مؤسسية لمرحلة انتقالية شديدة المركزية.

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية