مجتمع الاستعراض

مجتمع الاستعراض واغتراب الهوية: رحلة الإنسان من “الكينونة” إلى “الصورة الرقمية”

تشير التحولات الاجتماعية والثقافية المعاصرة إلى تغير عميق في كينونة الإنسان وعلاقته بالعالم، حيث انتقل من مرحلة ارتبطت بقيمة “الكينونة” إلى مرحلة هيمنة “الامتلاك”، وصولا إلى ما أصبح يعرف بـ “مجتمع الاستعراض”، الذي يغدو فيه المظهر حاضرا ومؤثرا أكثر من الجوهر. وفي هذا السياق، لم تعد التجربة الإنسانية تُعاش بصورة مباشرة، بل أصبحت تتوسطها الصورة والتمثلات الرقمية، حتى بات الواقع نفسه يُدرك من خلال الشاشات التي تعمل في الوقت ذاته بوصفها نافذة على العالم، وحدا فاصلا بين الإنسان وتجربته المعيشة.

ضمن هذا التحول برز مفهوم “الإنسان المرقمن” كما سماه الدكتور مصطفى شكدالي، باعتباره نموذجا جديدا للذات المعاصرة، حيث خضع لعمليات معقدة من “التنشئة الخوارزمية” التي أعادت تشكيل هويته النفسية والاجتماعية داخل الفضاء السيبراني. ولم يعد الإنسان يُعرَّف من خلال أنماط التنشئة التقليدية، وإنما من خلال تفاعله المستمر مع البيئات الرقمية التي تسهم في بناء تصوراته عن ذاته وعن الآخرين. وهكذا أصبحت الهوية مشروعا مفتوحا لإعادة التشكيل، تحكمه الخوارزميات وآليات العرض والتفاعل الرقمي.

ويتجسد هذا التحول بصورة واضحة في بروز “الأنا الرقمي”، الذي لم يعد مجرد امتداد للأنا التقليدي، وإنما أصبح فضاء جديدا لتقديم الذات وإعادة بنائها، حيث تتحول الشخصية الرقمية إلى كيان سردي مستقل يعيد إنتاج الذات وتمثيلها في العالم الافتراضي، إن الفرد- حسب سعيد يقطين – “داخل الفضاء الرقمي يختار صورة تمنحه حضورا معينا أمام الآخرين، ومن ثم تتحول الهوية الى عملية إخراج مستمرة للذات، تتداخل فيها الرغبة في حيازة الاعتراف مع الرغبة في صناعة صورة جذابة”

وهو ما يكرس ” سطوة أيدولون القوة الشاشاتية ” كما سمته إلزا غودار ، ثم تبرز “مرحلة السيلفي” بوصفها أحد أهم تجليات هذه الكينونة الرقمية، إذ لا تمثل الصورة الذاتية مجرد توثيق للحظة عابرة، وإنما تعكس نمطا جديدا من الوجود يقوم على البحث المستمر عن الاعتراف والتقدير من خلال التفاعل الرقمي. غير أن هذا الوجود الرقمي ينطوي على مفارقات متعددة، إذ يجد الفرد نفسه معلقا بين الشعور بالحرية، وإكراهات المنظومات الخوارزمية التي توجه سلوكه واختياراته، فيما يمكن وصفه بحالة من “الاستلاب السيبراني”.

وتكشف الدراسات النفسية والاجتماعية عن آثار عميقة لهذا الانغماس في العالم الرقمي، تتجلى في انتشار مظاهر الإدمان الرقمي واضطرابات النمو النفسي والاجتماعي. ومن أبرز هذه المظاهر تراجع القدرة على التركيز والانتباه، وانخفاض جودة النوم، وضعف مهارات الإنصات، وتدهور الذاكرة، فضلا عن تنامي مشاعر الاغتراب وفقدان السيطرة على الإرادة الفردية. ويعكس ذلك حالة من الارتهان المتزايد للفضاءات الرقمية، وما تفرضه من أنماط جديدة للإدراك والتفاعل.

وفي ضوء ما سبق تأتي الحاجة إلى بلورة “إيتيقا” جديدة للعيش المشترك داخل الفضاء الافتراضي، قادرة على إعادة الاعتبار للإرادة الإنسانية وتعزيز الوعي بمخاطر الاستلاب الرقمي. وفي هذا الإطار تندرج الجهود السوسيولوجية والسيكولوجية الرامية إلى فهم “المجتمع الشبكي” و”مجتمع الروابط الرقمية”، إن تحليل سيكولوجية الإنسان المرقمن أصبح ضرورة لفهم تحولات الثقافة المعاصرة. فالتحدي الحقيقي يتمثل في الحفاظ على إنسانية الإنسان واستقلال إرادته في عالم تتزايد فيه هيمنة الصورة والاستعراض، وتتدخل فيه التقنيات الرقمية في إعادة تشكيل الممارسات اليومية والأنساق الثقافية والاجتماعية.

-حاصل على الدكتوراه في الدراسات النصية

The post مجتمع الاستعراض appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress