ماذا تفعل الصلاة بعقولنا؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;} إلياس عيسى إلياس



 نعبر الحياة كمن يسير في حقل ألغام من التحديات والقرارات اليومية. لا تأتي مشكلاتنا مع دليل استخدام، إذ نجد أنفسنا غالباً أمام صورة ضبابية، ونطمح للوصول إلى بر الأمان بينما تفصلنا عنه فجوة من الخطوات المجهولة.

 ربما لهذا السبب نعجز أحياناً عن اتخاذ أبسط قرار؛ فمجرد معرفة كيف نسدّ هذه الفجوة يستهلك طاقتنا وتركيزنا؛ وفي هذه الرحلة يبحث العقل دوماً عن مساحة يستعيد فيها هدوءه.

هنا تحديداً يتقاطع العلم مع الروحانيات في واحدة من أقدم الممارسات البشرية وأعمقها: الصلاة.

 والمغزى الحقيقي الذي يكشفه التأمل في سلوكنا أثناء هذه الممارسة هو أنها ليست مجرد طقس تعبدي يخصّ هوية دون أخرى، بل هي طريقة ذكية ومنظمة لإدارة الذهن وحلّ المشكلات، لا تقلّ صرامة عن أدق الخطط، بغضّ النظر عن ثقافة المصلّي أو وجهته.

 
وحين نحاول حل مشكلة ما، فغالباً ما نسلك طريقاً معكوسة؛ نتخيل الحالة التي نريد الوصول إليها أولاً، ثم نعود لنبني الخطوات نحوها خطوة خطوة.
 

والمثير أن هذا بالضبط ما نفعله في صلواتنا العفوية دون أن ندري. فنحن نبدأ بالاعتراف بالأزمة وفهمها، ثم نتخيل واقعاً أفضل مستحضرين تجارب الماضي وما تيسّر فيه، لنخرج بعد ذلك ولدينا دافع أكبر للمواجهة والعمل.

 
لكن ما يجري داخل هذه التجربة أعمق من ذلك.

 
على نحو لافت، بحثت دراسات متخصصة في علم نفس الدين في أنماط الصلاة المختلفة، ووجدت أن من يتعامل معها كحوار حميم يشعر براحة حقيقية، أكبر بكثير ممن يكتفي بالتفكير الصامت أو "مضغ" الهموم ذهنياً من دون توجيهها لأحد.

 المصلّي هنا يشعر بأنه ليس وحده، وأن هناك من يسمعه ويسنده؛ وهذا يتيح للعقل ممارسة واحدة من أنجع الحيل النفسية لتوفير الطاقة، وهي: تفويض المأزق وتسليمه إلى سند يثق به.

 

من خلال هذا التسليم، يبدأ الإنسان تدريجياً بالتعامل مع أزمته بطريقة مختلفة؛ فهو يركز - دون أن يخطط لذلك  - على ما يقع في حدود سيطرته المباشرة، ويترك جانباً ما لا حيلة له فيه — كسلوك الآخرين أو تقلبات القدر — مسنداً إياه إلى قوة عليا يطمئن إليها.


ربما اختبر معظمنا هذا الشعور من دون أن ينتبه له؛ ننهض من الصلاة والمشكلة لا تزال كما هي، لكن طريقة نظرنا إليها قد تغيرت، كأن شحنة القلق التي كانت تعطل تفكيرنا رُفعت عن كاهلنا موقتاً، لنستطيع أخيراً أن نرصد ونحلل بهدوء.

 
وهذا الأثر يتجاوز الحدود العقائدية الضيقة، إذ نجده بوضوح في تقاليد شعوب العالم، من الشرق الأقصى إلى جزر المحيط الهادئ، حيث يتشارك الجميع تلك الحالة التفاعلية التي تُخرج الإنسان من عزلته وضيق خياراته.

 

ولا يتوقف الأمر عند الراحة النفسية، بل يمتد إلى الجسد؛ فالدراسات التي تتابع استجابة الاسترخاء تشير إلى أن الوضعيات الجسدية المصاحبة للصلاة والطقوس التأملية، مثل التنفس البطيء، والانحناء، والسكون، تؤدي إلى تباطؤ نبضات القلب وتهدئة الجهاز العصبي، مما يخفض هرمونات التوتر في الجسم، ويمنحنا شعوراً بالمرونة والقدرة على الاحتمال.
 

ولكن، إذا نحينا المشاعر والروحانيات جانباً، وحاولنا أن نفهم بالورقة والقلم ما يحدث تحت الجمجمة، فكيف نترجم هذا الأثر إدراكياً؟ أو بعبارة أخرى: كيف تعمل الصلاة إذا نظرنا إلى الدماغ كآلة معالجة؟

 
تبدأ القصة من مساحة التركيز في عقولنا، وهي مساحة ضيقة ومحدودة جداً، لا تستطيع الاحتفاظ إلا بقدر قليل من المعلومات في اللحظة الواحدة. وتحت ضغط الخوف أو القلق، تمتلئ هذه المساحة وتتشوش تماماً.
 
هنا يتغير المشهد؛ فالطقوس المصاحبة، من إغلاق العينين إلى البحث عن زاوية هادئة إلى الهمس المنظم، تخلق حاجزاً طبيعياً يعزل الضوضاء المحيطة، ويحصر تركيزنا في الأزمة نفسها.

 
والأهم من ذلك أن الصلاة تعمل كبوصلة أخلاقية أيضاً؛ فالدعاء من أجل شخص نختلف معه – على سبيل المثال - يعيد تذكيرنا بقيم التسامح، فتضيّق هذه الممارسة مساحة ردود أفعالنا لتقتصر على ما يليق بمبادئنا، وتمنع الانفعال اللحظي من أن يقود قرارنا.

 

إنها باختصار تجمع بين الذهن والنفس والجسد في تجربة واحدة. ويمكن لأيّ منا أن يستخلص هذه الوصفة ويطبّقها في حياته اليومية، حتى خارج السياق التعبدي الصرف: أن يهيّئ لنفسه مساحة هادئة بعيدة عن التشتت الرقمي، وأن يفكك مشكلاته خطوة خطوة، وأن يترك ما لا حيلة له فيه ليخرج من دوامات التفكير المغلقة.

 
في زمن يتسم بالإنتاجية المحمومة والتشتت الرقمي الممنهج، يبدو أننا بحاجة ماسة لإعادة الاعتبار لهذه المساحات التأملية؛ ليس فقط كخيار روحي فردي، بل كضرورة إنسانية ومجتمعية لاستعادة توازننا.

 
ولعل سر بقاء الصلاة آلاف السنين لا يكمن فقط في وعدها بالخلاص، بل في أنها تمنح العقل، قبل أيّ شيء آخر، فرصة نادرة لالتقاط أنفاسه وسط ضجيج العالم. وحين يستعيد الإنسان انتباهه، يصبح أكثر قدرة على استعادة حياته.
اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية