من افتتاح الإمام موسى الصدر إلى القصف الإسرائيلي... قصة حسينية السلطانية
في عام 1967، أنشأت "جمعية النهضة الخيرية" النادي الحسيني في السلطانية، من بلدات قضاء بنت جبيل في محافظة النبطية بجنوب لبنان، وافتتحه الإمام موسى الصدر، ليكون معلماً بارزاً في البلدة. وفي عام 2026، تعرض النادي للتدمير الكامل جراء القصف الإسرائيلي.
لم تقتصر وظيفة الحسينية على الأنشطة الدينية طوال العقود الستة الماضية، بل كانت مساحة اجتماعية وثقافية جامعة. ويذكر محمد عفيف، رئيس جمعية النهضة الخيرية، في حديث لـ "النهار"، أن الحسينية كانت ملاذاً للأهالي في الأزمات فخلال "حرب الإلغاء"، تحولت إلى مدرسة لإيواء النازحين من بيروت، كما لعبت دور المستوصف والمركز الصحي الذي قدم الخدمات الطبية للأهالي عبر حملات للصليب الأحمر أو منظمة "أطباء بلا حدود".
ويشدد عفيف على أن الحسينية ظلت تحت إدارة الجمعية ومستقلة تماماً عن أي انتماء حزبي أو بلدي، حفاظاً على دورها كمركز جامع لكل أبناء البلدة.
شهادات من ذاكرة الحسينية
يستذكر محمد غملوش، أحد وجهاء القرية، في حديثه لـ "النهار"، يوم افتتاح الحسينية، حيث سارع لفتح باب سيارة "مرسيدس" قديمة كان يستقلها الإمام موسى الصدر، الذي بادر بالتبرع بمئة ليرة لتحفيز الأهالي على المساهمة في تكاليف البناء. ويشير غملوش إلى أنه رغم صغر سنه (15 عاماً آنذاك)، شارك مع رفاقه في نقل الحجارة وأعمال البناء.
ويضيف: "في 9 نيسان/أبريل 1969، وخلال عطلة عيد الفصح، كانت الحسينية لا تزال على هيكلها الإسمنتي، دون جدران. ومع ذلك، لم يمنع غياب الجدران أهالي البلدة من الالتفاف حولها، فقد تحولت إلى مساحة اجتماعية يتجمع فيها عشرات الشبان والفتيات لتبادل الأحاديث، قبل أن تتحول لاحقاً إلى مركز ثقافي ومكتبة استضافت أبرز الندوات الفكرية".
ولا يغيب عن ذاكرة البلدة مشهد العمل الجماعي، إذ يصف غملوش دور رئيس الجمعية الراحل حسن عواضة مسلماني، الذي عُرف بقوته البدنية، حيث كان يحمل أكياس الإسمنت والتراب على ظهره، ويطلب من المحيطين مساعدته، بينما كان الأطفال يراقبونه بإعجاب ويشاركون في أعمال البناء.
وعقب القصف الإسرائيلي الذي دمر النادي الحسيني بالكامل في نهاية نيسان/أبريل 2026، شعر أبناء السلطانية بأنهم فقدوا جزءاً من ذاكرتهم الجماعية.

كيف بنى أهالي السلطانية حسينيتهم بـ"ربع ليرة"
يقول حسين عبّاني، مقدم متقاعد في فوج إطفاء بيروت، في حديث إلى "النهار"، إن السلطانية كانت من القرى القليلة في المنطقة التي تضم جمعية مرخّصة رسمياً من الدولة. ويشرح أن الجمعية كانت تجمع التبرعات أسبوعياً، إذ كان كل عضو يدفع ربع ليرة، أي خمسة وعشرين قرشاً، لكنها لم تعتمد على هذا المبلغ فقط، بل شكلت تبرعات الأهالي ركيزة أساسية في تمويل مشاريعها.
ويضيف أنه في تلك الفترة لم يكن في القرية سوى المسجد، وكانت جميع المناسبات تقام فيه. وبعد الانتهاء من بناء المسجد، تبرع أحد أبناء البلدة بقطعة أرض لإقامة الحسينية عليها. وكانت هذه البقعة، حيث تقوم الحسينية اليوم، تُعرف قديماً باسم "البيادر"، حيث كان الفلاحون من مختلف العائلات يملكون مساحات محددة يضعون فيها محاصيلهم الزراعية، كالقمح وسائر الغلال، ويعملون فيها خلال موسم الحصاد، قبل أن تتحول لاحقاً إلى حديقة عامة.
بعد ذلك، تبرع أصحاب تلك الأراضي بها، وبدأت الجمعية تنفيذ مشروع بناء الحسينية. وقد أُنجز المشروع بفضل التبرعات، من خلال بيع الرزنامات وغيرها من وسائل جمع الأموال، إذ كان الأهالي يستفيدون من كل وسيلة متاحة لتأمين التمويل على مدار السنة. لم يُنجز البناء خلال سنة واحدة، بل استغرق أكثر من عام حتى اكتمل، بحسب عباني.
إعادة بناء الحسينية... قرار محسوم والعقبة التمويل
يؤكد عفيف أن إعادة بناء الحسينية قرار محسوم، مشيراً إلى أن الجمعية وضعت خطة لإنشاء بديل موقت، لكن إعادة تأهيل المبنى الأساسي تبقى الهدف الأول. ويقول: "هناك العديد من الأفكار المطروحة، وهناك مهندسون متبرعون من أبناء البلدة أبدوا استعدادهم لتجهيز المخططات والإشراف على الأعمال المطلوبة. أما التصميم النهائي، فهناك أكثر من اقتراح. يوجد من يرى ضرورة إعادتها كما كانت، وهناك من يقترح تعديلات معينة، وهذا الأمر يعود إلى المهندسين المختصين".
ويشير إلى أن المشكلة الأساسية تبقى في التمويل، موضحاً: "إذا أردنا إعادة بناء حسينية تبلغ مساحتها نحو 500 أو 600 متر مربع، فنحن نتحدث عن مبلغ كبير، بحسب تقديرات المهندسين. وهذا المبلغ ليس سهلاً جمعه عبر حملات التبرع فقط، وحتى لو أطلقنا حملات واسعة، فقد لا نتمكن من تأمينه بسهولة".
ويضيف: "خيارنا الأول هو محاولة الحصول على دعم عبر مجلس الجنوب أو عبر أي جهة رسمية أو دولية يمكن أن تساعد، وإذا لم يتوفر هذا الخيار، فسنعود إلى خيار جمع التبرعات وإعادة إعمارها بأنفسنا، لأن إعادة بناء الحسينية أمر محسوم ولا نقاش فيه".

بعد الحرب... أبناء السلطانية يموّلون عودة بلدتهم
"كنا عايشين بأمان الله"، بهذه الكلمات تصف عبير مسلماني، ابنة بلدة السلطانية، الأيام التي سبقت الحرب والنزوح من القرية. تروي مسلماني في حديث لـ"النهار" تجربتها قائلة: "كانت أيامنا بسيطة وحلوة، وما كان يخطر في بالنا أن يتغير كل شيء بلحظة. فجأة بدأت الحرب، واستُبدل الأمان بالقصف والخوف، ولم يكن أمامنا سوى مغادرة القرية وترك بيوتنا وذكرياتنا. رحلنا على أمل ألا نغيب سوى أيام قليلة، لكن الغياب طال أكثر مما احتملنا".
وتستعيد لحظة عودتها إلى البلدة: "أول ما دعست رجلي على أرض الضيعة، ركعت وقبّلت ترابها، كأني عم إركض على حضن أم اشتقتلها من سنين". ورغم حجم الدمار والألم، تؤكد أن مشهد عودة الناس إلى بيوتهم ومصالحهم، وسلام الجيران على بعضهم البعض، "ردّ للسلطانية روحها"، مضيفة: "هونيك حسّيت إنو البلدة، رغم كل جراحها، عم ترجع تنبض بالحياة".
وتتشارك منال خواجة معها العزيمة نفسها على العودة، مؤكدة أن "السلطانية هي بيتنا وأرضنا، ولا نستطيع الابتعاد عنها". وترى أن بدء ورش التصليح بتمويل من أبناء القرية أعاد الأمل إلى السكان ورفع معنوياتهم، رغم استمرار الخوف من تجدد التهجير، في ظل عدم استقرار الأوضاع بالكامل.
لكن خلف مشهد العودة، كانت السلطانية تواجه حجم دمار كبير خلّفته الحرب، بعدما تحولت أجزاء واسعة منها إلى ورشة لإزالة الركام وإعادة الخدمات الأساسية.

٧٠ وحدة سكنية مدمرة كلياً
يكشف رئيس بلدية السلطانية نبيل مرواني حجم الأضرار التي لحقت بالبلدة جراء الحرب، مشيراً إلى أن نحو 70 وحدة سكنية دُمرت بالكامل، فيما تضررت نحو 80 وحدة أخرى وأصبحت غير صالحة للسكن، بينما أصابت الأضرار معظم الوحدات السكنية الأخرى بدرجات متفاوتة. ولم يقتصر الدمار على المنازل، بل طاول شبكات الكهرباء والمياه والطرقات وعدداً من المرافق العامة، وفي مقدمها الحسينية التي دُمّرت بالكامل.
ويوجه مرواني عتباً إلى الجهات الرسمية، مؤكداً أن البلدية لم تتلقَّ تواصلاً أو مواكبة خلال الحرب، ما دفعها إلى إطلاق حملة لمساندة عودة الأهالي بالتعاون مع جمعية النهضة وأبناء البلدة. ويقول: "لقد عوّدنا أهل بلدتنا أن يكونوا حاضرين في كل الصعوبات والمحن، بغض النظر عن ظروفهم. تجاوب معظم الأهالي يكبّر القلب، مع بعض العتب على بعض الميسورين الذين كنا نتوقع منهم همة أكبر".
ويشير إلى أن البلدية جمعت نحو 30 ألف دولار، صُرف منها نحو 20 ألفاً لإصلاح شبكة الكهرباء، ونحو 10 آلاف لرفع الردم والنفايات ومعالجة الأضرار المتفرقة، فيما لا تزال تحتاج إلى نحو 30 ألف دولار إضافية لاستئجار الآليات واستكمال الأعمال المطلوبة.
ويؤكد أن الأولوية كانت لتأمين مقومات الحياة الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء والمياه والنظافة، موضحاً أن استكمال الأعمال يبقى مرتبطاً بتوفر التمويل ودعم الدولة، فيما تبقى ورشة إعادة الإعمار الشاملة رهناً بقرارات رسمية كبرى.
ومن بين أبناء البلدة الذين ساهموا في دعم جهود الترميم، يقول غملوش: "هذه بلدتنا وأهلها أهلنا، ومؤسساتها تعنينا. من خلال العمل الاجتماعي نعرف قيمة المساعدة والتكاتف، فالعمل الفردي قد يعطي نتيجة محدودة، أما العمل الجماعي فيمكن أن يحقق الكثير".
ويضيف: "من يستطيع أن يقف إلى جانب من لا يستطيع، يجب أن يفعل ذلك، لأن هذه بلدتنا وهذا مجتمعنا. نحن لا نعطي للحاضر فقط، بل نعطي لأولادنا أيضاً، حتى يعيشوا في بيئة أفضل".

الإغاثة في زمن النزوح
يخبر عفيف "النهار" عن مهمة مساعدة النازحين من أبناء القرية خلال الحرب: "كان هناك 127 شخصاً من أبناء البلدة ضمن إطار المساعدة، وكان هناك أصدقاء لنا من مختلف أنحاء لبنان، ومن مختلف الطوائف، مسلمين ومسيحيين ودروزاً، يساعدون النازحين انطلاقاً من حس إنساني".
ويشير إلى أن قيمة المساعدات التي قدمتها الجمعية ضمن إطار الاستجابة لحالة الطوارئ لعام 2026 بلغت 127,114 دولاراً أميركياً، توزعت بين مساعدات نقدية بقيمة 88,360 دولاراً، ومواد تنظيف بقيمة 11,313 دولاراً، وأدوية بقيمة 10,225 دولارات، إضافة إلى حصص غذائية وقرطاسية وألعاب وثياب وحاجيات للأطفال حديثي الولادة.

وأوضح أن هذه الجهود ساهمت في مساعدة 331 عائلة، استفاد منها 1069 شخصاً، مؤكداً أن الهدف كان مساعدة أبناء البلدة أولاً.
في السلطانية، لم تبدأ العودة بقرار رسمي أو مشروع إعمار كبير، بل بخطوات صغيرة اتخذها أبناء البلدة. وبينما تنتظر القرية دعم الدولة لإعادة البناء، يبدو أن أهلها حسموا خيارهم: العودة أولاً، ثم إعادة ما هدمته الحرب.