مئوية الدستور اللبناني: بين عبقرية النص وعجز السُلط

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;} المحامية جوديت التيني
دكتورة في القانون 

 

 

منذ إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، كان واضحاً أنّ الكيان الناشئ يحتاج إلى دستور ينظّمه. وفي عام 1926، أعلن المفوض السامي الفرنسي رغبته في وضع هذا الدستور، فاجتمع المجلس التمثيلي وانتخب لجنة من النواب لإعداده. وفي 23 أيار من ذلك العام، أُعلن الدستور اللبناني. 

لم يولد الدستور اللبناني من فراغ، فقد استقى مبادئه  من دستور الجمهورية الثالثة الفرنسية لعام 1875، كما تأثر ببنية الدستور البلجيكي لعام 1831، فجاء تبنّي النظام الجمهوري البرلماني، وتنظيم العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وحتى طريقة انتخاب رئيس الجمهورية وصلاحياته، كما النموذج الفرنسي في تلك المرحلة.  

 


 

لكنّ خصوصية لبنان فرضت نفسها منذ البداية. فدستورعام 1926 الذي كرّس نموذج الدولة الحديثة، كرّس أيضاً واقع المجتمع الطائفي. فالمادة 95 في صيغتها الأصلية نصّت على تمثيل الطوائف بصورة عادلة في الوظائف العامة وتشكيل الوزارة "بصورة مؤقتة والتماساً للعدل والوفاق". لكن "المؤقت" اللبناني بدا كأنه جزء ثابت من بنية النظام.  

وفي تبريره لهذا النص، عرض شبل دموس مقرّر لجنة الدستور أسباباً، قرأناها في كتاب بيار روندو، من أنّ المجتمع اللبناني لم يكن قد بلغ بعد مرحلة الانصهار الوطني الكامل. وأنّ الشعب اللبناني ليس معتاداً بعد على تقديم التعاضد الوطني على التعاضد الطائفي. 

وبعد عدة تعديلات، جاء اتفاق الطائف عام 1989 ليفتح الباب أمام مقاربة متقدّمة. فالتعديلات الدستورية التي أُقرت عام 1990 لم تكتفِ بإعادة توزيع الصلاحيات بين الرئاسات، بل رسمت أيضاً مساراً نظرياً للخروج من الطائفية السياسية. مقدمة الدستور المعدّلة نصّت بوضوح على أن "إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي"، فيما اوجبت المادة 95 المعدّلة إلغاء الطائفية السياسية في سبيل  نقل النظام من نظام يحكمه التوازن بين الطوائف إلى نظام قائم على التوازن بين السلطات.

لقد نصّت المادة 95 على مرحلة انتقالية ريثما يتم إلغاء الطائفية السياسية. لكن بعد أكثر من ثلاثة عقود، لا نزال في "المرحلة الانتقالية". وينسجم التمثيل الطائفي الموقت خلال المرحلة الانتقالية مع قاعدة التمييز الإيجابي التي تُجنّب العزل الدائم. لكنّ الفكر الزبائني، والتعبئة السياسية، وتغييب حقيقة الدولة في الإدراك المؤسساتي، أمور تسيء في استخدام هذه المادة. 

المطلوب اليوم ليس تغيير النظام ولا الدستور، الذي يكرّس ثوابت تنسجم مع طبيعة النظام البرلماني التعدّدي. لكن هذا لا يحجب ضرورة توضيح بعض الموادّ، وقد تناول رئيس الحكومة نواف سلام في كتابه "لبنان بين الأمس والغد" 10 نقاط أساسية يجب توضيحها، والتي تتناول السلطتين التشريعية والتنفيذية والعلاقة بينهما. مثلاً، طرح الرئيس سلام في كتابه فرضية عدم الاتفاق بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة لدى إبرام المعاهدة الدولية، فماذا يحصل عندئذ؟ هل يعرض الأمر على مجلس الوزراء للحسم؟ من هنا، رأى أنّ المادة 52 من الدستور بحاجة للتوضيح. مع الإشارة إلى أن اليوم هذا غير مطروح بخصوص المفاوضات مع إسرائيل لكون الرئيسين على اتفاق. 


واليوم، بعد مئة عام، يبدو الدستور اللبناني أشبه بسيرة لبنان نفسه: نصّ طموح، غني بالمبادئ، لكنه مثقل بالتفسيرات والصراعات. ومع ذلك، يبقى الإطار الاول الذي يجمع اللبنانيين تحت فكرة الدولة، ولو كانت هذه الفكرة لا تزال قيد التفاوض المستمر. 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية