لماذا يحرص المغاربة على "تحدي الغلاء" في شراء ملابس العيد للأطفال؟

مع اقتراب عيد الفطر من كل سنة يبرز ضمن السلوكات الاجتماعية المتجذرة في المجتمع المغربي حرص كثير من الأسر على اقتناء ملابس جديدة لأبنائها، حتى في ظل أوضاع مادية صعبة أو موارد محدودة، إذ يتحول هذا الفعل البسيط ظاهريًا إلى طقس يحمل دلالات نفسية واجتماعية رمزية تتجاوز مجرد الاستهلاك.

البعد النفسي

ندى الفضل، أخصائية ومعالجة نفسية إكلينيكية، قالت إن “كثيرا من المغاربة يحرصون، مع اقتراب عيد الفطر، على شراء ملابس جديدة لهم ولأبنائهم، حتى في ظل ظروف مادية صعبة”، مضيفة: “من منظور نفسي واجتماعي لا يرتبط هذا السلوك بمجرد الرغبة في الاستهلاك، بل يعكس مجموعة من الدوافع العميقة المرتبطة بالمعنى الرمزي للعيد داخل الثقافة المغربية”.

وزادت الفضل، في تصريح لهسبريس، أن “الملابس الجديدة في العيد تمثل رمزًا للبداية الجديدة بعد شهر من الصيام والعبادة، وكأنها إعلان نفسي عن الانتقال من فترة التعب والالتزام إلى لحظة الفرح والاحتفال، وهذا الإحساس بالتجدد يمنح الأفراد شعورًا بالرضا والبهجة، ويجعل العيد يبدو حدثًا مختلفًا ومميزًا عن باقي أيام السنة”.

وأشارت الأخصائية ذاتها إلى أن “مسألة الانتماء الاجتماعي تلعب دورًا مهمًا في هذا السلوك”، موردةً أنه “في المجتمع المغربي يُنظر إلى ارتداء ملابس جديدة يوم العيد كجزء من الطقوس الجماعية، لذلك يسعى الآباء خصوصًا إلى توفيرها لأبنائهم حتى لا يشعروا بالاختلاف أو النقص أمام أقرانهم”، مشددة على أن “حرص الأسرة على إسعاد أطفالها في هذه المناسبة يعكس رغبة عميقة في حمايتهم من الإحساس بالحرج أو الإقصاء الاجتماعي”.

من جهة أخرى أكدت المتحدثة ذاتها أن “شراء ملابس العيد يمكن أن يكون نوعًا من التعويض النفسي عن ضغوط الحياة اليومية”، منبّهة إلى أن “الأسر التي تعيش صعوبات اقتصادية قد ترى في هذه المناسبة فرصة لصناعة لحظة فرح داخل البيت، وكأنها رسالة تقول إن الفرح مازال ممكنًا رغم التحديات”.

وتابعت الفضل بأن “شراء ملابس العيد في المجتمع المغربي يبقى أكثر من مجرد عادة استهلاكية؛ إنه طقس اجتماعي ونفسي يعبر عن الفرح، والانتماء، والرغبة في منح العائلة – خاصة الأطفال – لحظة جميلة تظل راسخة في الذاكرة”، خاتمة بالقول: “ربما الأهم أن نتذكر أن قيمة العيد لا تقاس فقط بما نشتريه، بل بما نصنعه من دفء إنساني وتضامن ومحبة بين الناس”.

الرمزية الاجتماعية

مصطفى السعليتي، أستاذ باحث في علم النفس الاجتماعي رئيس شعبة علم النفس في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة القاضي عياض بمراكش، قال إنه “عندما نتأمل السلوكات الاستهلاكية التي ترافق شهر رمضان واقتراب عيد الفطر نلاحظ أن من أبرزها الإقبال على اقتناء الملابس وكل ما يحتاجه الأطفال للاحتفال بالعيد، وإذا كان من الطبيعي أن تتمكن الأسر الميسورة من تلبية هذه الحاجيات بسهولة فإن اللافت أن عدداً كبيراً من الأسر التي تعيش أوضاعاً اقتصادية صعبة تحرص بدورها على عدم حرمان أطفالها من فرحة العيد، خاصة تلك المرتبطة بارتداء لباس جديد”.

وأضاف السعليتي أن “هذا السلوك يمكن تفسيره بكون فرحة الأطفال تحتل مكانة مركزية داخل الأسرة، إذ تعتبرها كثير من العائلات أهم من اعتبارات مادية أخرى، لذلك قد تلجأ بعض الأسر إلى الادخار قبل حلول العيد، أو حتى إلى الاقتراض أحياناً، فقط حتى لا يشعر الأطفال بالحرمان أو الحزن في مناسبة يفترض أن تكون عنواناً للفرح؛ فالعيد في المخيال الأسري لا يكتمل معناه إلا بسعادة الأطفال وابتسامتهم”.

وسجّل الأستاذ الجامعي ذاته أن “الأسرة قد تقبل بأن تحرم نفسها من بعض الحاجيات أو المتع، لكنها تجد صعوبة كبيرة في تقبل فكرة حرمان الأطفال من مظاهر الفرح، لأن ذلك قد يدفعهم إلى التعبير عن إحساسهم بالحرمان بطرق مختلفة، مثل البكاء أو الشعور بالحزن، وهو ما يجعل الآباء والأمهات يشعرون بالذنب أو بالتقصير، لذلك تبذل الأسر جهداً كبيراً من أجل توفير لباس العيد، ولو بإمكانات محدودة”.

وأشار السعليتي إلى أن “هذا السلوك يرتبط أيضاً بطبيعة المجتمع المغربي الذي تحضر فيه المقارنة الاجتماعية بقوة، حيث يلاحظ الأطفال ما يملكه الآخرون من أقرانهم”، موضحا أن “الطفل عندما يرى أطفالاً آخرين يرتدون ملابس جديدة ويتمتعون بمظاهر الاحتفال يصبح من الصعب على الآباء والأمهات تقبل أن يكون طفلهم الاستثناء، لأن ذلك قد يخلق لديه شعوراً بالنقص أو التمييز”.

وأكد المتحدث ذاته، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “هذه العادة متجذرة في الثقافة الاجتماعية المغربية منذ سنوات طويلة، إذ أصبح اقتناء لباس العيد تقليداً راسخاً داخل الأسر؛ ورغم تغير الأوضاع الاقتصادية وتزايد الضغوط المعيشية فإن كثيراً من العائلات تجد صعوبة في التخلي عنه، لأنها تعتبره جزءاً من معنى العيد ذاته”.

وتابع الباحث نفسه: “تحاول الأسر التوفيق بين إمكاناتها المحدودة وبين رغبتها في إسعاد أطفالها، لذلك قد تشتري ملابس بسيطة أو منخفضة الثمن، لكن أهم ما يعنيها هو أن يشعر الطفل بالفرح وألا يحس بأن أسرته عاجزة عن تلبية حاجاته الأساسية”.

وختم الأستاذ الجامعي تصريحه بالإشارة إلى أن “الحفاظ على صورة الأب والأم القادرين على رعاية أبنائهما يظل أمراً مهماً داخل الأسرة، كما أن شراء لباس العيد يبقى بالنسبة لكثيرين مؤشراً رمزياً على الكرامة الاجتماعية وعلى الرغبة في إظهار أن الأسرة، رغم الصعوبات، قادرة على مشاركة الآخرين فرحة العيد”.

The post لماذا يحرص المغاربة على "تحدي الغلاء" في شراء ملابس العيد للأطفال؟ appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress