لماذا يحاول المتشددون الايرانيون عرقلة الاتفاق بين واشنطن وطهران؟
تتصاعد داخل إيران معركة سياسية بين مؤيدي الانفتاح الديبلوماسي على الولايات المتحدة ومعارضيه. وبينما تراهن الحكومة الإيرانية على المفاوضات لتخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية، يحاول التيار المتشدد عرقلة أي اتفاق محتمل مع واشنطن، مستخدماً المنابر الإعلامية والتصريحات السياسية والتعبئة الشعبية لإبقاء نهج المواجهة قائماً.
وتشهد الساحة الإيرانية صراعاً متنامياً بين أجنحة السلطة بشأن مستقبل العلاقة مع الأميركيين. فالفصيل المتشدد، رغم محدودية حجمه داخل النظام، يواصل معارضته العلنية لأي تنازلات في المفاوضات الجارية، مستفيداً من نفوذه داخل البرلمان وبعض المؤسسات الرسمية ووسائل الإعلام الحكومية.
ورغم الحديث المتزايد عن اقتراب التوصل إلى اتفاق بين الجانبين، لا تزال تفاصيله غير محسومة. وتشير معطيات إلى أن الإدارة الأميركية لم تتخذ قرارها النهائي بعد، فيما تؤكد طهران أنها لن تقدم أي خطوة قبل أن تبادر واشنطن بإجراءات ملموسة.
المفاوضات... محور سجال داخلي
وفي الداخل الإيراني، تحولت المفاوضات إلى محور سجال سياسي حاد. فقد كثف التلفزيون الرسمي، القريب من التيار المتشدد، تغطيته الناقدة للمحادثات، مقدماً إياها باعتبارها مساراً فاشلاً. وفي المقابل، انتقد الرئيس مسعود بزشكيان هذا النهج، داعياً وسائل الإعلام الرسمية إلى تجنب تعميق الانقسامات الداخلية وإثارة التوترات السياسية.
كذلك، شهدت طهران تظاهرات نظمها مؤيدو التيار المتشدد، رفع المشاركون فيها شعارات رافضة لأي تراجع أمام الولايات المتحدة وإسرائيل، معتبرين أن إيران خرجت من المواجهة الأخيرة في موقع القوة، وأن عليها فرض شروطها بدلاً من تقديم التنازلات.
ويرى محللون مقربون من دوائر الحكم أن هذا التيار لا يعكس المزاج العام للإيرانيين ولا يمثل غالبية مراكز القرار، إلا أن تجاهله قد يحمل مخاطر سياسية، نظراً إلى أنه يضم شريحة من أكثر المؤيدين ولاءً للجمهورية الإسلامية. ويحذر هؤلاء من أن استمرار تحركاته خارج الأطر السياسية التقليدية قد ينعكس سلباً على الاستقرار الداخلي.
ولم تقتصر انتقادات بعض المتشددين على الحكومة وفريق التفاوض، بل امتدت إلى شخصيات نافذة داخل النظام، بمن في ذلك المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، في مؤشر على حجم التوتر الذي يرافق النقاش حيال مستقبل العلاقات مع الولايات المتحدة.

وكشفت مصادر إيرانية عن محاولات قام بها مسؤولون محسوبون على التيار المتشدد للضغط على القيادة العليا من أجل تشديد شروط التفاوض، والتشكيك بأداء الفريق المفاوض. غير أن المرشد الأعلى أبدى دعماً واضحاً للمحادثات، سواء عبر مواقف معلنة أو من خلال رسائل داخلية تؤكد ضرورة الحفاظ على وحدة الموقف السياسي.
المشهد السياسي منقسم في إيران
ويقول سفير العراق السابق في باريس ومدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية الدكتور غازي فيصل لـ"النهار" إن المشهد السياسي الإيراني ينقسم بين تيار إصلاحي ينتمي إليه الرئيس بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي، وتيار متشدد يضم شخصيات نافذة داخل مؤسسات الدولة، من بينها رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، إضافة إلى الحرس الثوري الإيراني.
ويشير فيصل إلى أن الحرس الثوري لا يُعد مجرد مؤسسة عسكرية، بل يشكل العمود الفقري لحماية النظام الذي تأسس بعد الثورة الإسلامية عام 1979. كما أنه يتمتع، وفق رؤيته، بدور يتجاوز الحدود الإيرانية من خلال السعي إلى توسيع نفوذ الجمهورية الإسلامية في المنطقة.
ويضيف أن الحرس الثوري يلتزم بصورة مباشرة بتوجيهات المرشد الأعلى، ما يجعله أحد أبرز معارضي أي انفتاح واسع على الولايات المتحدة. ويرى أن هذا الموقف يستند أيضاً إلى الإرث الأيديولوجي الذي تركه مؤسس الجمهورية الإسلامية آية الله روح الله الخميني، والذي شدد في وصيته السياسية على رفض إعادة العلاقات مع واشنطن بعد قطعها إثر الثورة الإسلامية.
ويعتبر فيصل أن هذا الإرث شكّل على مدى عقود أحد أهم العوائق أمام تطبيع العلاقات بين البلدين، رغم محاولات بعض الرؤساء الإيرانيين السابقين، ومنهم أكبر هاشمي رفسنجاني، انتهاج سياسة أكثر براغماتية تجاه الولايات المتحدة.
ويتابع أن التيار المتشدد لا يزال ينظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها "الشيطان الأكبر"، وهو ما يفسر معارضته لأي اتفاق أو تفاهم استراتيجي معها، حتى في ظل الضغوط الاقتصادية والتحديات التي تواجهها إيران.
وفي ما يتعلق بالمفاوضات النووية، يشير فيصل إلى أن القيادة الإيرانية وضعت قيوداً واضحة على المفاوضين، ولا سيما في الملفات التي تعتبرها طهران سيادية، وفي مقدمها تخصيب اليورانيوم والبرنامج النووي. ويرى أن تصريحات خامنئي الرافضة للتفاوض حيال هذه الملفات تعكس تمسك المؤسسة الحاكمة بخطوط حمراء يصعب تجاوزها.
ويخلص إلى أن هامش حركة المفاوض الإيراني يبقى محدوداً، إذ يتحرك ضمن إطار تحدده توجيهات المرشد الأعلى، والإرث السياسي للثورة الإسلامية، فضلاً عن الضغوط التي يمارسها الحرس الثوري باعتباره القوة الرئيسية الممثلة للتيار المتشدد داخل النظام.
وبينما تبدو فرص التوصل إلى تفاهم بين طهران وواشنطن أكبر من أي وقت مضى، يبقى نجاحه رهناً بقدرة القيادة الإيرانية على احتواء معارضة المتشددين. فالمعركة لا تدور فقط على طاولة التفاوض، بل أيضاً داخل أروقة السلطة في إيران.