مئوية الدستور... "كِشْ مَلَك"

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

كارل أبو مراد

 

 

في 23 أيار عام 1926، أقرّ المفوّض السامي الفرنسي هانري دو جوفنيل الدستور اللبناني على عجلٍ، قُبيل سفره عائداً إلى فرنسا لاستئناف مهماته في مجلس الشيوخ. لم يكن هذا الإقرار مجرد إجراء إداري، بل كان ثمرة مخاضٍ قادته لجنة مشتركة أنشأتها وزارة الخارجيّة الفرنسيّة، التزاماً بصك الانتداب الذي فرض وضع نظام أساسي للدول الخارجة للتو من عباءة السلطنة العثمانية خلال ثلاث سنوات.
اليوم، ونحن على عتبة قرنٍ من الزمن على إقرار هذه الوثيقة التي لا تزال محور جدل، تبرز الحاجة الملحّة لإعادة قراءة الدستور ليس كنص جامد، بل في ضوء التشابك السياسي والاجتماعي المعقد، وحالة الانهيار المؤسساتي التي يشهدها لبنان.
بادئ ذي بدء، وفي أي مقاربة حقوقية لبناء الدول، يُعرَّف الدستور بصفته القانون الأعلى والأساسي، وقمة الهرم التشريعي الذي يشكل مصدر المشروعية الأول. تتجلى وظيفته العضوية في هندسة النظام السياسي وتوزيع الاختصاصات بين السلطات وفق مبدأ "الفصل بين السلطات"، بينما تنهض وظيفته الحقوقية الكبرى بإرساء الضمانات لحماية حقوق الأفراد من تعسف السلطة. وتأسيساً على مبدأ "سمو الدستور"، تخضع سائر التشريعات الأدنى لأحكامه وإلا شابتها وصمة "عدم الدستورية".
وفي سياق التحولات السياسية الكبرى، يكتسب الدستور بُعداً وجودياً وتاريخياً. ففي تلك المرحلة المفصلية من تاريخ لبنان، لم يقتصر دور الوثيقة الدستورية على التنظيم الهيكلي الجاف، بل ارتقت لتصبح "وثيقة الانعتاق القانوني"، والتجسيد الأسمى لاسترداد السيادة الوطنية، وحجر الأساس لبناء "العقد الاجتماعي" الجديد. ولعل من أبرز المغالطات التاريخية والسياسية التي تتردد كمسلّمة في أدبياتنا، مقولة إن دستور 1926 لم يكن سوى "نسخة كربونية" من دستور الجمهورية الفرنسية الثالثة (1875). إن هذه المقاربة السطحية تجافي الدقة الفقهية والواقع التاريخي معاً. فصحيح أن المشرّع اللبناني استلهم "الهيكل العام" للنظام البرلماني الفرنسي، إلا أنه صاغ وثيقة ذات هوية سياسية وقانونية شديدة الخصوصية. من الناحية الشكلية، لم تمتلك الجمهورية الثالثة دستوراً جامعاً، بل حُكمت بثلاثة قوانين دستورية منفصلة، بينما خرج لبنان بوثيقة موحدة. ومن الناحية الموضوعية، كان الفارق شاسعاً؛ فبينما قام النظام الفرنسي على ركيزة العلمانية الصارمة  (Laïcité) ، أسس الدستور اللبناني لـ"تعدديةٍ قانونية" تجلت في المادة 9 (حرية الاعتقاد وأنظمة الأحوال الشخصية) والمادة 95 (المشاركة السياسية). وبالتالي، لم يكن الدستور اللبناني نصاً أجنبياً مُسقطاً بالمظلة، بل كان "توليفة دستورية" (Synthèse) صاغتها عقول لبنانية فذّة كشبلي دموس وميشال شيحا وبترو طراد، مزجت بين آليات الديموقراطية البرلمانية الغربية وواقع التعددية اللبنانية والتأثير العثماني الذي لا يمكن إنكاره، مما يثبت أن النص التأسيسي كان ابتكاراً قابلاً للحياة.
لقد حاول المفوض السامي دو جوفنيل تطبيق نظرية الدولة الحديثة بحذافيرها، طامحاً إلى تحرير النظام الانتخابي اللبناني من "القيد الطائفي" لخلق مواطنةٍ متساوية يكون فيها الفرد هو وحدة بناء الدولة. إلا أن هذه المقاربة اصطدمت بجدار الإرادة اللبنانية.
فالنخب، المسكونة بهواجس الأقليات وتجارب نظام المتصرفية، رأت في "القيد الطائفي" بوليصة تأمين وجودية وضماناً لمنع طغيان فئةٍ على أخرى.
أمام هذا الإصرار، اضطرت سلطة الانتداب لإبرام تسويةٍ دستورية هجينة تجلت في المادة 95، التي أقرّت التوزيع الطائفي بصيغةٍ "موقتة" إلتماساً للعدل والوفاق. هذا التنازل أحدث شرخاً في مفهوم المواطنة، وأدى إلى "المأسسة القانونية للطائفية السياسية". لا تكمن المشكلة برأي في هذا الموضوع بحد ذاته، فلم يكن للفرنسيين آنذاك مجال غير ما كان لتفادي الأزمة. التساؤل الأخطر يبقى: ماذا ستكون نهاية بلدٍ تستغل سلطته هذه الثغرة لتثبيت هيمنتها؟
تفرض علينا القراءة المتأنية لمسار الدولة، بعد الفرنسيين، فك الاشتباك التحليلي بين "النصّ" وبين "من تولى تطبيقه". فالإنصاف يقتضي الإقرار أن العيب القاتل لم يكن في هيكلية النظام بحدّ ذاته، بل في النخب السياسية التي تعاقبت على احتكار السلطة. فعوض التعامل مع التسوية الدستورية كفترة انتقالية لتبديد الهواجس نحو دولة المواطنة، استغلت المنظومة الحاكمة هذا الهاجس أداة ابتزازٍ دائمة. وعلى امتداد قرنٍ من الزمن (1926-2026)، إنحدر الأداء المؤسساتي إلى مستنقعٍ من الممارسات الملتوية والصبيانية التي دوّرت زوايا القانون لخدمة المصلحة الخاصة حصراً. لقد اتخذت الطبقة الحاكمة من هذه "التركة الطائفية" حجر أساسٍ لبناء مشروعها التدميري، بحيث ربطت التعيينات الإدارية والوظائف العامة بالولاءات الضيقة، متناسيةً، عن سابق تصور وتصميم، معيار الكفاءة. والمفارقة السافرة هنا هي أن التوزيع الطائفي للمناصب لا يتعارض بالضرورة مع معيار الجدارة ولا يلغيه؛ فلو سلّمنا جدلاً أن هذا المنصب أو ذاك قد خُصص عُرفاً لطائفةٍ معينة، أليس في تلك الطائفة من أكفياء وشرفاء وأصحاب اختصاص؟ بلى، ولكن العقلية الحاكمة تعمدت تهميش هؤلاء، واستبدلتهم بأتباعٍ ومحاسيب لا يملكون سوى جدارة الولاء الأعمى. ولقد تجلت هذه "الصبيانية السياسية" بأوضح صورها في الاستسهال الدائم لتعطيل الاستحقاقات، وتعديل الدستور مراراً "إستثنائياً ولمرّة واحدة". فالفراغات الرئاسية، والشلل التشريعي، لم تكن يوماً خلافاً على رؤية سيادية، بل ارتهان لتزلّم خارجيّ أرعن أو لمكسب ضيق أو حقيبة وزارية.
لقد استنفدت الطبقة الحاكمة اليوم كل مناوراتها التكتيكية للإلتفاف على الدستور واستهلكت رصيد التسويات حتى آخر قطرة. لا نريد تغيير الدّستور قبل تغيير من يطبّق هذا الدستور. أي كلام سياسيّ عن تعديلات دستوريّة جذريّة هو سابق لأوانه. في بلدٍ لا سلطة فيه للدولة على مناهج مادة المواطنيّة، هل يُعقل الكلام على إعادة صياغة للدستور؟ إنها محاولة انتحار للصيغة اللبنانيّة الفريدة مغلّفة بالكلام المنمّق والمعسول. يا سادة، دعونا نطبّق هذا الدستور سياسياً ووطنياً وحقوقياً قبل تعديله. دعونا نراجع ميثاقنا الوطني واتفاق الطائف قبل استبدالهما.
باتت رقعة الشطرنج السياسيّة مقفلة تماماً أمام الممارسات الملتوية التي جعلت الدستور رهينةً للمحاصصة. الواقع لم يعد يتسع لترقيع الأزمات، والدستور لم يعد يتحمل مزيداً من الاجتهادات التدميريّة.
نحن اليوم أمام حتميةٍ تاريخية ووجودية لا تقبل المكابرة: فإما انقلاب جذري على الذات والانتقال فوراً من عقلية "مرقلي لمرقّلك" إلى الخضوع المطلق لـ"سيادة القانون وحكم المؤسسات"، رغم أن هذا الهيكل المتهالك سينهار بضربةٍ قاضية على رؤوس الجميع. وحينها لن ينفع ندم، ولن يُحمى حزب، ولن يبقى دستور ليُنظم الخراب.
يقف الدستور اللبناني اليوم - بعد قرنٍ كامل من استنزافه - ليقول للقائمين عليه بلسان الحال والواقع: "كِشْ مَلَك".

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية