لماذا لا تجد خُطب المساجد طريقها إلى واقعنا؟! (1)

زماننا الذي نعيش أيامه وأعوامه، هو -بحقّ- زمان الخير الميسّر والهداية المبذولة. أصبح في وسع كلّ من شاء واختار، أن يسمع من دروس العلم والمواعظ ما يعجبه ويكفيه ويقنعه، ويعرف إجابة أيّ سؤال يخطر بباله، وهو جالس على الأريكة أو متكئ على السرير في بيته أو سائر في الطريق بسيارته… دعوات الخير تُسمع كلّ أسبوع من منابر المساجد، والموادّ النافعة قد ملأت شبكة الإنترنت وما تركت موقعا من المواقع إلا زاحمت فيه الفساد والتفاهة. حتى لم يعد تجّار الفساد يصبرون على كتمان غيظهم من غزو الدعاة والعلماء والمصلحين لمواقع التواصل!
ومع كلّ هذا الخير المتدفّق الجاري؛ نرى واقعنا لا يتغيّر إلا قليلا. نسمع الخطب والمواعظ في بيوت الله، ونمرّ في كلّ يوم بعشرات المقاطع النافعة على شاشات هواتفنا. لكنّ الواقع هو الواقع والحال هي الحال؛ بيوتنا على حالها في تعلقها بالدنيا وغفلة أكثر أفرادها عن الله واليوم الآخر، وشوارعنا تنضح بالفحش والبذاءة والتبرّج والغيبة وتتبّع العورات والفوضى واللامبالاة ورمي الأوساخ في كلّ مكان، وأسواقنا طبعتها الأنانية واستحرّ فيها الغشّ والتناجش والتشاحن، ومؤسساتنا اصطبغت بإضاعة الأمانة وإهمال الوظائف والأعمال… لا تكاد تسمع بمن يتخذ قراره بتغيير حاله وتنظيم حياته والتصالح مع زوجته وإصلاح أبنائه وبناته وإتقان عمله… يتكلّم الإمام في درس وخطبة الجمعة عن فرض الحجاب الشرعيّ وعن كبيرة التبرّج ويذكّر الآباء بواجبهم، فيأتي يومُ الأحد وتخرج بنات المسلمين إلى الإكماليات والثانويات والجامعات، وتخرج الزّوجات إلى الأسواق وأماكن العمل، والحال هي الحال، لا شيء تغيّر… يستفيض الخطيب في الحديث عن واجب الآباء والأمّهات في تربية الأبناء ومنعهم طَرْق أبواب الشرّ والفساد؛ فتمرّ الأيام والأبناء يملؤون الشوارع بصراخهم وسبابهم وخصامهم وسوء أخلاقهم، بل ويجتمعون في أوكار المخدّرات على ما يسخط ربّ البريات وفاطر الأرض والسماوات… يحذّر الإمام جموع المصلّين من قطع الأرحام، فتمرّ الأيام والأسابيع والأشهر وتأتي الأعياد وتنقضي، والحال هي الحال، تستمرّ القطيعة والعداوات بين الأقارب والإخوة ولا تسمع بقريبين اصطلحا وأصلحا ما بينهما، كلّ طرف يقول أنا المظلوم والآخرون هم الظّالمون… يتكلّم الإمام عن أذية الجار، فلا تسمع بجارين تصالحا… يتحدّث عن خيانة أمانة المنصب والوظيفة، فلا تسمع عن موظّف تاب إلى الله من التهاون بوظيفته… يتشعّب في الحديث عن الغشّ في التجارة، فتمرّ في الأسواق فلا تجد أثرا لكلامه… فلماذا يا ترى لا نكاد نرى في واقعنا أثرا لدعوات الأئمّة ونصائح الدّعاة؟ لماذا أصبح كلّ واحد منّا يُقنع نفسه بأنّ الكلام لا يعنيه وإنّما يعني أناسا آخرين، وإن تنازلت نفسه وأقرّت بأنّها معنية بالخطاب فإنّه يجد لنفسه الأعذار بأن يؤجّل الإصلاح أو يعرض عن التفكير فيه؟
الحقّ أنّ هذا الواقع له أسباب كثيرة، نشير إلى بعضها:
الخضوع للأنفس الأمّارة بالسّوء في أهوائها وأمانيها!
لعلّ أهمّ سبب في عزوف كثير من المسلمين عن العمل بما يسمعون، هو اتّباع الهوى وطول الأمل… يسمع الواحد منهم النصح والموعظة، فيحسّ في قرارة نفسه بأنّه معنيّ بما سمع، ويشعر بداعٍ في داخله يحدوه ليتّبع ما قيل ويعمل بما سمع. لكنّ نفسه الأمّارة بالسّوء تقنعه بأنّ وقت الإصلاح ما يزال لم يحن، وأنّ العمل بكلام الإمام لم يأن أوانه… وهكذا يظلّ هذا العبد يسمع الكلام في المسجد أو من الهاتف، فيعجبه، لكنّه لا يعمل بشيء منه! هو يعترف بأنّ ما سمعه حقّ ويُقرّ بتقصيره وغيرُ راض عن حاله، لكنّه يطيع نفسه الأمّارة بالسوء التي تقنعه بأنّه لا يزال أمامه عمر طويل يكفي للإصلاح والصّلاح… وهذا -لا شكّ- غرور ومخاطرة، إذ لا يعلم العبد أنّ كلّ يوم يؤجّل فيه التوبة والتغيير والإصلاح سيكون وبالا عليه، يزداد فيه قلبه قسوة وتزداد نفسه غفلة، ويصبح التغيير أصعب والتوبة أثقل… وربّما يظلّ العبد على حاله حتى يبلغ سنّ الشيخوخة إن لم يفجأه الموت قبل ذلك، فيجد بين جنبيه قلبا أقسى من الحجر ونفسا لا تلين ولا ترعوي؛ فمَن جار على شبابه جارت عليه شيخوخته، ومن أهمل قلبه انفلت من يده.
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post لماذا لا تجد خُطب المساجد طريقها إلى واقعنا؟! (1) appeared first on الشروق أونلاين.