لماذا تعزز الولايات المتحدة تعاونها العسكري مع دول المغرب العربي؟
لم يعد الحضور العسكري الأميركي في شمال أفريقيا يقتصر على مكافحة الإرهاب أو التعاون الأمني التقليدي. فخلال السنوات الأخيرة، بدأت الولايات المتحدة تنظر إلى المنطقة باعتبارها جزءاً من شبكة أوسع تربط المتوسط والساحل الأفريقي وأمن الطاقة والهجرة، ما انعكس في تنامي العلاقات الدفاعية مع عدد من دول المغرب العربي.
وتطرح هذه التحركات تساؤلات عمّا إذا كانت واشنطن بصدد بناء مقاربة جديدة تجاه شمال أفريقيا، تتجاوز الملفات الأمنية المباشرة إلى اعتبارات جيوسياسية مرتبطة بالتنافس الدولي وإعادة رسم موازين النفوذ في القارة الأفريقية.
المغرب وتونس... ركائز الشراكة العسكرية
يُعد المغرب الشريك العسكري الأبرز للولايات المتحدة في شمال أفريقيا. وتُعتبر مناورات "الأسد الأفريقي" أحد أبرز وجوه هذه العلاقة، فيما تؤكد تصريحات مسؤولين أميركيين أن الرباط تمثل شريكاً محورياً في جهود تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين.
وهذه المناورات، التي تقودها القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، هي أكبر تمرين عسكري سنوي تنظمه الولايات المتحدة في القارة، وتستضيفها دول عدة بينها المغرب وتونس بمشاركة آلاف العسكريين من عشرات الدول.
ويرى عدد من المراقبين أن واشنطن تنظر إلى المغرب باعتباره إحدى ركائز حضورها الأمني في المنطقة، بفضل موقعه الجغرافي المطل على البحر المتوسط والمحيط الأطلسي.
أما تونس، التي تتمتع بصفة "حليف رئيسي من خارج حلف شمال الأطلسي"، فتواصل تعاونها العسكري مع الولايات المتحدة عبر برامج التدريب والمساعدات العسكرية والمشاركة في المناورات المشتركة.
وفي كانون الثاني/يناير الماضي، احتضنت تونس بالتعاون مع القيادة الأميركية في أفريقيا فعاليات التمرين البحري متعدد الأطراف "فينيكس أكسبريس 26"، بمشاركة عسكريين من دول عدة في شمال أفريقيا وأوروبا.
كذلك، حصلت تونس خلال السنوات الأخيرة على مساعدات وتجهيزات عسكرية أميركية، كان آخرها تسليم دفعة من المركبات العسكرية، فيما وافقت واشنطن قبل أشهر على صفقة لبيع صواريخ "جافلين" بقيمة تُقدَّر بنحو 107 ملايين دولار.
ويؤكد الجانبان باستمرار أن هذا التعاون يتركز على مكافحة الإرهاب وتعزيز أمن الحدود ومواجهة التهديدات الأمنية التي تشهدها المنطقة.
ويقول الخبير في الشؤون الأمنية علية العلاني، في حديث إلى "النهار"، إن التعاون العسكري بين تونس والولايات المتحدة "يعود إلى عقود طويلة"، مضيفاً أن حرص واشنطن على تطويره "يعكس استمرار الأهمية الإستراتيجية لتونس في الحسابات الأميركية".
ويرى العلاني أن موقع تونس الجغرافي، عند تقاطع الفضاءين المتوسطي والأفريقي، يمنحها أهمية خاصة في ملفات الأمن الإقليمي، مشيراً إلى أن الصفقات العسكرية الأخيرة والمساعدات الأميركية قد تسهم في تحديث قدرات الجيش التونسي خلال السنوات المقبلة.

الجزائر بين الشراكة مع روسيا والانفتاح على واشنطن
في المقابل، شهدت العلاقات العسكرية بين الجزائر والولايات المتحدة مؤشرات متزايدة على التقارب خلال السنوات الأخيرة.
ورغم احتفاظ الجزائر بعلاقات دفاعية تقليدية قوية مع روسيا، فإنها عملت في الوقت نفسه على تنويع شراكاتها الدولية، بما في ذلك تعزيز قنوات التواصل والتعاون مع واشنطن.
وفي هذا السياق، أجرى قائد القوات البحرية الأميركية في أوروبا وأفريقيا الأميرال جورج م. ويكوف زيارة رسمية إلى الجزائر التقى خلالها مسؤولين عسكريين كباراً، وبحث معهم ملفات الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب والتعاون العسكري في منطقة الساحل وغرب البحر المتوسط.
وقال ويكوف في تصريحات نقلتها وسائل إعلام جزائرية إن الولايات المتحدة تنظر إلى الجزائر باعتبارها "فاعلاً إقليمياً بارزاً في مجال الأمن"، مشيداً بخبرتها في مكافحة الإرهاب.
ما الذي تريده واشنطن من شمال أفريقيا؟
ويضع عدد من الباحثين هذا التقارب العسكري في إطار تحولات أوسع في السياسة الأميركية تجاه القارة الأفريقية.
وتقول الباحثة والكاتبة الصحافية أحلام العبدلي، في حديث إلى "النهار"، إن "إدارة الرئيس دونالد ترامب تسعى إلى إعادة التموضع في شمال أفريقيا عبر توسيع الشراكات العسكرية والأمنية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة إنشاء قواعد عسكرية أميركية جديدة في المنطقة".
وترى أن واشنطن تنظر إلى شمال أفريقيا باعتبارها منطقة ذات أهمية استراتيجية متزايدة بسبب موقعها الجغرافي الرابط بين أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط، فضلاً عن ارتباطها بملفات الطاقة والأمن البحري ومكافحة الإرهاب، وخصوصاً الهجرة غير النظامية التي تُعد من أبرز الملفات التي تراهن عليها إدارة ترامب.
وتضيف أن "التعاون الأمني يمنح الولايات المتحدة قدرة أكبر على متابعة التطورات في منطقة الساحل الأفريقي وغرب البحر المتوسط، وهما من أكثر المناطق حساسية بالنسبة إلى المصالح الغربية خلال السنوات الأخيرة".
تنافس دولي متصاعد
ويأتي هذا الانخراط الأميركي المتزايد في وقت تشهد فيه أفريقيا منافسة متصاعدة بين القوى الكبرى.
فإلى جانب الولايات المتحدة، عززت روسيا حضورها الأمني والعسكري في عدد من الدول الأفريقية، فيما وسعت الصين نفوذها عبر الاستثمارات والبنية التحتية، كما برزت تركيا لاعباً مؤثراً في ملفات الدفاع والتعاون العسكري.
وترى العبدلي أن المنطقة "تحولت تدريجياً إلى ساحة تنافس بين القوى الكبرى، ما يدفع الولايات المتحدة إلى تعزيز حضورها وشراكاتها الأمنية للحفاظ على نفوذها الاستراتيجي في مواجهة منافسين دوليين، وفي مقدمهم روسيا".
وبين الاعتبارات الأمنية وحسابات التنافس الجيوسياسي، يبدو أن التعاون العسكري بين الولايات المتحدة ودول شمال أفريقيا دخل مرحلة جديدة من التوسع، في وقت باتت تحظى فيه المنطقة باهتمام دولي متزايد ضمن التوازنات العالمية المتغيرة.