لبنان بين ترسيخ دستور الطائف وتطويره والدعوة إلى الفيدرالية... المسار الثالث لاستعادة الدولة من أزمتها البنيوية
نزيه الخياط
من أزمة النظام إلى أزمة منطق إنتاج السلطة
لم يعد الجدل حول مستقبل النظام السياسي في لبنان محكوماً بثنائية الطائف والفيدرالية. فهذه الثنائية، رغم حضورها في الخطاب السياسي، لم تعد كافية لفهم طبيعة أزمة تتجاوز مستوى الخيارات الدستورية.
الأزمة اليوم لم تعد أزمة اختيار نظام، بل أزمة تعطل الدولة بوصفها جهازاً سيادياً قادراً على إنتاج القرار العام وضبط التوازنات الداخلية، أي إن الإشكال لم يعد في النصوص الدستورية، بل في تحويلها إلى مؤسسات فاعلة وممارسة حكم مستقرة.
وينطلق هذا التحليل من أن اتفاق الطائف لم يفشل كنص، بل تعثر كمسار انتقالي. وهذا التعثر أعاد إنتاج النظام الطائفي بصيغ محدثة، وفتح المجال أمام صعود خطاب الفيدرالية بوصفه تعبيراً عن انسداد الأفق الإصلاحي، لا بوصفه مشروعاً مكتمل العناصر.
ومن هنا، لا يقدم “المسار الثالث” خياراً بين الطائف والفيدرالية، بل إطاراً لفهم الأزمة من داخل بنيتها. فهل يستطيع لبنان استعادة دولته قبل أن يصبح هو نفسه جزءاً من إعادة تشكيل خرائط الجغرافيا السياسية للمشرق؟
أولاً: الطائف كمسار انتقالي غير مكتمل
لا يمكن اختزال اتفاق الطائف في كونه تسوية أنهت الحرب، بل يجب فهمه كعقد دستوري أعاد هندسة السلطة على أساس انتقال تدريجي نحو دولة أقل طائفية وأكثر مؤسساتية.
وقد نص الدستور بعد الطائف على مسارات إصلاحية أساسية، أبرزها:
• إلغاء الطائفية السياسية تدريجاً.
• إنشاء مجلس شيوخ يمثل الطوائف.
• الانتقال إلى مجلس نواب خارج القيد الطائفي.
• تعزيز اللامركزية الإدارية.
• إعادة توزيع الصلاحيات بين الرئاسات.
لكن هذه المسارات بقيت غير مكتملة، ما حوّل الطائف من مشروع انتقالي إلى نظام إدارة توازنات سياسية.
وقد أسهمت عوامل إقليمية ودولية، في ظل الوصاية السورية خلال مرحلة ما بعد الطائف، ولاحقاً في ظل تمدد النفوذ الإيراني عبر "حزب الله"، في إعادة تشكيل آليات عمل النظام السياسي، بما أدى عملياً إلى تعطيل بعض المفاعيل الإصلاحية التي نصّ عليها اتفاق الطائف، لا سيما تلك المرتبطة بتطوير الدولة الوطنية بعد الحرب، وفي مقدمتها الانتقال التدريجي نحو إلغاء القيد الطائفي في التمثيل النيابي.
وهكذا تحولت المرحلة الانتقالية إلى حالة دائمة، ما أفقد النظام وظيفته التحديثية.
ثانياً: الطائف بين النص والتأطير الفكري-الثقافي
لا تكمن إشكالية الطائف في تعثر تطبيقه فقط، بل في غياب الإطار الفكري والثقافي الذي كان يفترض أن يواكبه، عبر قيام النخب اللبنانية الاجتماعية والسياسية والفكرية والثقافية، وأصحاب الرأي في مختلف المناطق والطوائف، بتحويله إلى قضية رأي عام جامعة، بما يسهم في تحصين مسار النهوض بالدولة الوطنية الحديثة ومؤسساتها.
فقد جرى التعامل معه بوصفه تسوية تقنية لإدارة التوازنات الطائفية، لا بوصفه مشروعاً لإعادة بناء الدولة.
وتنازعت الطوائف صوغ الضمانات الدستورية بما يعكس هواجسها السياسية، بينما غاب المشروع الوطني الجامع القادر على تحويل التسوية إلى فلسفة دولة.
هذا النقص جعل الطائف عرضة لتأويلات متناقضة، وأفقده القدرة على التحول إلى مرجعية إصلاحية مستقرة.
وبذلك، لم يكن التعثر نتيجة سياسية فقط، بل أيضاً نتيجة غياب حاضنة فكرية-ثقافية.
ثالثاً: انحراف الممارسة الدستورية (1990-2026)
تُظهر التجربة اللبنانية فجوة بنيوية بين النص الدستوري والممارسة السياسية.
في السلطة التنفيذية، تحوّل “التوافق” إلى قاعدة غير مكتوبة تتقدم على الدستور، وتُستخدم لتعطيل القرار بدل إنتاجه.
ومع الوقت، نشأت أعراف سياسية موازية أعادت تعريف وظيفة الحكومة، لتصبح مساحة تفاوض بين القوى السياسية بدلاً من سلطة تنفيذية بالمعنى الدستوري.
أما في السلطة التشريعية، فقد أعاد النظام الانتخابي إنتاج البنية الطائفية، ما حال دون تشكل مؤسسة وطنية جامعة.
وهكذا تكرّس نمط حكم مزدوج:
• دستور يعكس منطق دولة حديثة.
• وممارسة سياسية محكومة بمنطق المحاصصة والتوازنات غير المؤسساتية.
رابعاً: ازدواجية الدولة وتآكل السيادة
تآكل احتكار الدولة للقرار السيادي يُعد من أبرز سمات النظام اللبناني بعد الحرب. فالمؤسسات الرسمية لم تعد وحدها مصدر السلطة، بل بات هذا الدور، بحكم الأمر الواقع، موزعاً بين قوى سياسية وأمنية واقتصادية ذات نفوذ فعلي في المجال العام. وقد تجلى ذلك في تكريس نظام من الزبائنية والمحسوبيات الحزبية، حيث غلب منطق الولاء السياسي والطائفي على معايير الكفاءة ونظافة الكف في مؤسسات الدولة المنهارة.
ينتج من ذلك:
• نشوء اقتصاد سياسي موازٍ للبنية الرسمية.
• تعدد مراكز القرار داخل الدولة الواحدة.
• تراجع قدرة الدولة على فرض القواعد العامة.
• ضعف احتكار الدولة للعنف المشروع.
• تراجع السيادة الفعلية للدولة.
وبذلك، لم تعد الدولة جهازاً مركزياً موحداً، بل باتت أقرب إلى نظام متشظٍ تحكمه توازنات قوة غير متكافئة، يفرض فيها السلاح غير الشرعي وزناً راجحاً في إعادة تشكيل القرار العام داخل الدولة وفي محيطها.
خامساً: الفيدرالية كاستجابة للأزمة لا كحل تأسيسي
في ظل هذا المسار من الازدواجية البنيوية، تتجدد الأطروحات الفيدرالية بوصفها تعبيراً عن أزمة الثقة بإمكان إصلاح النظام من الداخل.
وقد قرأ عدد من الباحثين هذا التداخل بوصفه تعبيراً عن تحالف بين القوة المسلحة ومنظومة الفساد السياسي، إذ أفضى اختلال ميزان القوة لمصلحة القوى المسلحة غير الشرعية، وتلاقيه مع منظومة المحاصصة والزبائنية، إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتعميق الانهيارين المالي والمؤسساتي.
وقد تناولت أدبيات متعددة هذه الظاهرة بوصفها ازدواجية بنيوية داخل الدولة، ومن بينها قراءة وضاح شرارة في كتابه «دولة حزب الله: لبنان مجتمعاً إسلامياً»، الذي يضعها ضمن سياق تشكل سلطات موازية داخل الكيان اللبناني.
غير أن هذا الواقع لا يجعل الفيدرالية حلاً تلقائياً، لأن معالجة ازدواجية السلطة قد تبدأ من داخل الطائف، عبر استعادة وظائف الدولة وتفعيل اللامركزية ضمن وحدة الكيان.
لكن هذا الخيار يواجه إشكالات أساسية:
• غياب عقد اجتماعي جديد.
• تشابك البنية الطائفية والجغرافية.
• ضعف قدرة المركز على إدارة انتقال كبير.
• خطر تحويل الانقسام السياسي إلى انقسام دستوري.
وبالتالي، تبقى الفيدرالية أقرب إلى استجابة للأزمة منها إلى مشروع تأسيسي مكتمل.
سادساً: المسار الثالث بوصفه إعادة تركيب للإشكالية اللبنانية
لا يقدّم “المسار الثالث” بديلاً معيارياً بين الطائف والفيدرالية بقدر ما يعيد صوغ الإشكالية اللبنانية نفسها داخل مستوى أعمق من التحليل. فالأزمة، في هذا المنظور، لا تتعلق باختيار هندسة دستورية معينة، بل بقدرة الدولة على التحوّل من نظام إدارة توازنات طائفية إلى نظام إنتاج سياسي-مؤسساتي مستقر.
وبالتالي، فإن الطائف والفيدرالية لا يظهران كنموذجين متقابلين بقدر ما يعكسان مستويين مختلفين من تعبير الأزمة: الأول باعتباره مشروع انتقال لم يُستكمل، والثاني بوصفه تعبيراً عن انسداد هذا الانتقال وتآكل شروطه الداخلية.
وبناءً على ذلك، فإن “المسار الثالث” لا يُفهم كحل وسط، بل كإطار تحليلي يعيد وضع الدولة في مركز التفكير السياسي، ويجعل من تعثرها البنيوي نقطة الانطلاق لفهم كل التحولات الدستورية المطروحة.
سابعاً: النخب السياسية وإعادة إنتاج البنية الانسدادية
لا يمكن فهم استمرار الأزمة اللبنانية بمعزل عن بنية النخب السياسية والفكرية التي أنتجت النظام وأعادت إنتاجه في آن واحد. فبدلاً من نشوء نخب عابرة للطوائف قادرة على إنتاج سردية دولة، تشكلت نخب داخل اصطفافات طائفية-سياسية مغلقة، ما جعلها جزءاً عضوياً من توازنات النظام بدل أن تكون قوة نقد له.
ويترتب على ذلك أن الفشل لا يُعزى فقط إلى بنية المؤسسات، بل أيضاً إلى غياب فاعل تاريخي قادر على تحويل الطائف من تسوية سياسية إلى مشروع دولة. فالنخب التي أدارت مرحلة ما بعد الحرب لم تُنتج الإطار الفكري والثقافي الذي يواكب المسار الدستوري، بل تعاملت معه بوصفه إطاراً لإعادة إنتاج منظومة الانتفاع السياسي، وإعادة توزيع السلطة والنفوذ ضمن منطق المحاصصة والزبائنية، أكثر من كونه مشروعاً وطنياً لإعادة تأسيس الدولة وبناء مؤسساتها.
هذا الوضع أدى إلى إعادة إنتاج ثلاث ديناميات مترابطة:
• تراجع الوظيفة النقدية للنخب الفكرية والسياسية.
• ترسيخ منطق الزبائنية بوصفه آلية غير رسمية لإدارة الدولة.
• إعادة إنتاج الانقسام الطائفي داخل البنية السياسية بدلاً من تجاوزه.
وبذلك، أصبحت النخب أحد أهم عناصر استدامة الأزمة، لا مجرد انعكاس لها.
ثامناً: إعادة بناء الدولة بوصفها مساراً تدريجياً
إن أي تصور للخروج من الأزمة اللبنانية لا يمكن أن يقوم على قفزات دستورية، بل على مسار تراكمي يعيد بناء منطق الدولة من داخل مؤسساتها القائمة. فالمشكلة الأساسية ليست في غياب النصوص، بل في تعطّل فعاليتها وتحوّلها إلى بنى شكلية غير قادرة على إنتاج سلطة عامة موحدة.
في هذا السياق، يصبح استكمال المسارات التي أقرّها اتفاق الطائف جزءاً من عملية إعادة إنتاج الدولة، لا مجرد إصلاحات تقنية. فاللامركزية الإدارية، وإعادة تنظيم التمثيل السياسي، وإصلاح الإدارة العامة والقضاء، ليست إجراءات منفصلة، بل حلقات في عملية واحدة تهدف إلى إعادة تأسيس السلطة العمومية على قاعدة مؤسسات لا على قاعدة توازنات سياسية متحركة.
وإعادة ضبط علاقة الدولة بالقوى المسلحة لا تُفهم فقط في بعدها الأمني، بل بوصفها شرطاً لإعادة توحيد مصدر القرار السيادي داخل الدولة، بما يعيد تعريف مفهوم السلطة نفسها.
وبهذا المعنى، فإن إعادة بناء الدولة ليست مشروعاً تقنياً، بل مسار تاريخي لإعادة تركيب العلاقة بين المجتمع والنظام السياسي.
خاتمة: الدولة اللبنانية بين التعطّل وإعادة التشكل
تؤكد التجربة اللبنانية أن الأزمة الراهنة ليست أزمة نصوص دستورية، بل أزمة بنية دولة لم يكتمل تشكلها التاريخي. فالدساتير لا تفشل بذاتها، بل عندما تُفصل عن شروطها الاجتماعية والسياسية وتُختزل إلى أدوات لإدارة التوازنات بدل أن تكون آليات لإنتاج الدولة.
وبناءً على ذلك، فإن الإشكالية اللبنانية لا تتمحور حول الاختيار بين الطائف والفيدرالية، بل حول قدرة الدولة على استعادة وظيفتها التأسيسية بوصفها جهازاً سيادياً موحداً. فكلما تعمّق تعطّل هذه الوظيفة، اتسعت الفجوة بين النص والممارسة، وازدادت قابلية النظام لإعادة التشكل تحت ضغط التوازنات الداخلية والخارجية.
وفي هذا الإطار، لا يبدو “المسار الثالث” بديلاً من الخيارات القائمة، بل محاولة لإعادة تعريف شروطها الفكرية والسياسية، عبر إعادة وضع الدولة في مركز التحليل بدل اختزالها في هندسة النظام.
وعند هذه النقطة تحديداً، يصبح السؤال الجوهري ليس أي نظام سياسي يجب اعتماده، بل كيف يمكن استعادة الدولة قبل أن تتحول الخيارات الدستورية نفسها إلى تعبير عن غيابها؟
فإن كان اتفاق الطائف وُلد من رحم الحرب الأهلية بوصفه تسويةً أوقفت النزاع، فإن التحدي المطروح اليوم يتمثل في استكمال مساره الإصلاحي وتطويره إلى مشروع وطني متجدّد لبناء الدولة. ومن دون هذا التحوّل، سيبقى لبنان يدور في حلقة مفرغة، تتناسل فيها أزمات السلطة وتتجدد معها الدعوات إلى بدائل قد تعكس عمق الأزمة أكثر مما تقدم حلولاً لها. وعندئذٍ، لن يكون السؤال أيَّ نظامٍ سياسي يختار اللبنانيون، بل أيُّ دولةٍ ستبقى لهم ليختاروا نظامها؟
أكاديمي ـ باحث في الشؤون الجيوسياسية