كيف يغيّر الاتفاق الأميركي – الإيراني المشهد العراقي؟
مع توصّل واشنطن وطهران الى مذكّرة تفاهم مشتركة بعد أشهر من الحرب، تتجه الأنظار إلى الدول الأكثر تأثراً بأيّ تحوّل في العلاقة بين الجانبين، وفي مقدمها العراق. فبغداد التي وجدت نفسها خلال الفترة الماضية في قلب التوترات الإقليمية، تترقب انعكاساتٍ محتملة على ملفات الأمن والفصائل المسلحة وأسواق النفط والاستقرار السياسي، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى تجنيب البلاد تداعيات الصراعات الإقليمية.
وبين من يرى في التفاهم فرصة لتخفيف الضغوط الأمنية والاقتصادية، ومن يحذر من المبالغة في تقدير نتائجه، يبرز السؤال بشأن حجم التأثير الفعلي الذي يمكن أن يتركه الاتفاق على المشهد العراقي خلال المرحلة المقبلة.
فرصة لاستقرار أمني وسياسي
يقول الديبلوماسي العراقي السابق غازي فيصل، لـ"النهار"، إن "العلاقات الأميركية – الإيرانية تشهد تطوراً مهماً مع الحديث عن توقيع مذكرة تفاهم تشكل خريطة طريقٍ لمفاوضات تمتد 60 يوماً، برعاية أطراف إقليمية ودولية ومشاركتها، في ظل متغيرات استراتيجية فرضتها الحرب الأخيرة وتداعياتها على الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي".
ويضيف أن هذا التطور يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية بشأن فرص التوصل إلى تسوية مستدامة بين الولايات المتحدة وإيران وانعكاسات ذلك على ملفات المنطقة، وفي مقدمها العراق ولبنان وأمن الخليج العربي.
ويشير إلى أن أي تحوّل استراتيجي في السياسة الإيرانية سينعكس مباشرة على المشهد العراقي، موضحاً أنه "إذا اختارت طهران نهج الدولة التنموية والتكامل الاقتصادي بدلاً من استراتيجية دعم الجماعات المسلحة العابرة للحدود، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار الإقليمي".
ويؤكد أن العراق سيكون "من أكثر الدول استفادة من هذا التحول"، إذ يمكن أن يساهم في معالجة إشكالية السلاح خارج إطار الدولة، وتعزيز سيادة المؤسسات الرسمية، وتطوير علاقات بغداد مع محيطها العربي والإقليمي على أسس التعاون الاقتصادي والأمني المشترك.
كذلك، يرى أن أي توجّه إيراني نحو التنمية والتكنولوجيا والانفتاح الاقتصادي "قد يعيد تشكيل معادلات المنطقة، بما يعزز فرص الأمن والاستقرار والشراكة الاقتصادية".
ويعتبر أن نجاح هذا المسار "سيمنح العراق فرصة لمعالجة ملفات داخلية عالقة"، مستفيداً من تراجع الضغوط الإقليمية التي انعكست خلال السنوات الماضية على واقعه الأمني والسياسي.

التفاهم وحده لا يكفي
في المقابل، يدعو الخبير في الشؤون الاستراتيجية عدنان الكناني إلى "التعامل بحذر" مع التوقعات المتفائلة، معتبراً أن أي تفاهم محتمل بين الولايات المتحدة وإيران "لا يعني نهايةً فورية للتوتر" في الشرق الأوسط.
ويقول لـ"النهار" إن "العلاقات بين الطرفين أثبتت خلال العقود الماضية أنها تتأرجح بين الانفراج الموقت والعودة السريعة إلى التوتر، لذلك لا يمكن التعامل مع أي اتفاق باعتباره ضمانة دائمة للاستقرار".
ويشير إلى أن الحديث عن انعكاسات إيجابية تلقائية على العراق "يحتاج إلى قدر كبير من الواقعية"، لأن بغداد "لا تزال مرتبطة بتشابكات أمنية وسياسية واقتصادية تجعلها عرضة لتقلبات أي تفاهم أو انهيار محتمل في هذا المسار، وخصوصاً في ما يتعلق بملف الفصائل العراقية المسلحة وتوازنات النفوذ داخل البلاد".
ويضيف الخبير العراقي أن استقرار الملاحة في مضيق هرمز، على أهميته بالنسبة إلى أسواق الطاقة، لا يرتبط فقط بالاتفاقات السياسية، بل بعوامل ميدانية وأمنية متعددة "قد تُبقي مستوى المخاطر قائماً" حتى في حال إعلان تهدئة رسمية.
ويؤكد أن "الاقتصاد العراقي قد يستفيد من أي استقرار إقليمي، إلا أن هذه الاستفادة ستبقى محدودة ما لم تترافق مع إصلاحات داخلية حقيقية في إدارة الموارد وتقليص الهشاشة المالية".
فرصة مشروطة
ويشدد على أن نجاح أي تهدئة خارجية في تحقيق نتائج ملموسة داخل العراق "يبقى مرتبطاً بقدرة الدولة على استثمار الظرف الإقليمي الجديد، لا الاكتفاء بانتظار انعكاساته".
ويختم بالتأكيد أن العراق يقف أمام فرصة مهمة لكنها مشروطة، وأن تحويل التهدئة الإقليمية إلى استقرارٍ فعلي ومستدام يتطلب خطوات داخلية مدروسة تعالج التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي لا تزال قائمة.