كانّ 79 - "أرض الأجداد": توماس مان في ألمانيا العام صفر

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

كنّا نترقّب فيلماً جديداً للبولندي بافل بافليكوفسكي، غير أن ما قدّمه لنا في "أرض الأجداد"، المشارك في مسابقة مهرجان كانّ السينمائي (12 - 23 أيار/مايو)، بدا أقرب إلى صلاة سينمائية كئيبة، تتداخل فيها العناوين الكبرى إلى حدّ الانصهار، حتى تغدو كتلة واحدة. كلّ لحظة في الفيلم محمّلة جلال الفنّ السابع وفتنته. ولا مبالغة في القول إننا أمام عمل ينطوي على قدر من العبقرية. وإذا ما أمعنّا النظر فيه، يمكن اعتباره درساً سينمائياً بليغاً، ولا سيما قياساً إلى الزمن المحدود الذي يملكه كي ينسج، باقتصاد مدهش، علاقة معقّدة بين العائلة والوطن والعالم، من دون أن يفقد توازنه أو صفاءه الفنّي.

يأخذنا الفيلم إلى عام 1949، واضعاً الكاتب الألماني الحائز نوبل، توماس مان (هانز زيخلر) وابنته إيريكا (ساندرا هولر) في قلب رحلة عبر ألمانيا الخارجة لتوّها من أهوال الحرب. كانت البلاد آنذاك قد انشطرت شطرين متقابلين، شرقياً وغربياً، في لحظة تاريخية مثقلة بالخراب وبأسئلة إعادة الترميم السياسي والروحي. غير أن الرحلة التي يخوضها الأب وابنته عبر المدن الألمانية لا تبدو مجرّد انتقال جغرافي، بقدر ما تبدو عبوراً داخل وطن يتلمّس "هويته" الجديدة فيما تتنازع القوى المنتصرة إرثه الثقافي والسياسي. خلال هذا المسار، يظهر توماس مان في هيئة المتكلّم الدائم، والصامت أحياناً، يلقي المحاضرات والخطب في محطات مختلفة، مستحضراً رموز الأدب الألماني، وفي مقدّمهم غوته، في محاولة لردم الهوّة بين حاضر مأزوم وإرث ثقافي طويل وعريق. إلا أن هذا الخطاب، على عمقه الرمزي، يصطدم بواقع أقل اكتراثاً ممّا قد يوحي به. فالجمهور الذي ينصت إليه يبدو، في كثير من الأحيان، منفصلاً عمّا يُقال، كأنه حاضر بجسده فقط، فيما تبقى الكلمات معلّقة في فضاء عاجز عن ملامسة الحياة اليومية الخارجة لتوّها من تحت الركام.

 

هانز زيخلر في دور توماس مان.

 

والحال أن الكاتب نفسه يبدو منفصلاً، إلى حدّ ما، عمّا يحيط به. نتساءل مراراً عمّا إذا كان يؤمن حقّاً بما يقوله، أم أنه يتكلّم بدافع ضرورة أخلاقية أكثر منها قناعة. لا لأن أحداً يضع مسدساً في صدغه، وإنما لأنه عالق داخل معضلة وجودية وسياسية معقّدة. فهو لا ينتمي تماماً إلى هذا المعسكر ولا إلى ذاك، ويستحيل عليه، رمزياً، أن يفضّل "ميكي ماوس" على جوزف ستالين. بل إنه يكاد يفتح النار على الجميع بالتساوي، تماماً كما يفعل الفيلم نفسه، الذي يمرّغ الأطراف كافة في الوحل، ولكن بقدر عالٍ من التهذيب والكياسة. 

لا يتوقّف الفيلم عن كونه لحظة مساءلة، من دون اعترافات مباشرة، حول ما يسمّيه الألمان "الهايمَت"، أي فكرة الوطن كمكان للانتماء والذاكرة والهوية الممزّقة في آن واحد. يستند أسلوب بافليكوفسكي إلى تقشّف بصري صارم، وإلى بناء مشهدي يقوم على الاقتصاد في الحركة والحوار داخل عالم جامد ذي تكوينات مربّعة خانقة، يوازيها اختيار بصري دقيق لحجم الصورة، بما يجعل الفيلم يقترب أحياناً من منطق السينما الصامتة، حيث تصبح الصورة نفسها حاملة للمعنى، مكتفية بذاتها، ومن دون الحاجة إلى فائض الزينة البصرية التي تلجأ إليها، للأسف، أفلام كثيرة معاصرة.

هذا التوجّه لا ينفصل عن المسار الذي كرّسه المخرج في أعماله السابقة، ولا سيما "إيدا" و"حرب باردة"، حيث رسّخ لغة سينمائية تقوم على الاختزال والتكثيف، وعلى الثقة العميقة بقوة الكادر. غير أن هذا الجمود الألماني البارد لا يتركه بافليكوفسكي على حاله، ولكن يطعّمه بسخرية خفيفة، وبقدر من اللؤم الأنيق الذي يتسرّب إلى الفيلم من دون أي جهد ظاهر. حتى في هذا الجانب، يبدو المخرج مكتفياً بأبسط الأدوات: جوقة موسيقية، أو مغنّية تعبر المشهد لثوانٍ قليلة، كي يفتح فجأة طبقة كاملة من المعاني والانفعالات. فحين تكون الثقة بالسينما حاضرة، يصبح بالإمكان صناعة المعجزات!

ضمن هذا الامتداد، يمكن النظر إلى "أرض الأجداد" كحلقة جديدة في مشروع غير معلن يواصل بافليكوفسكي من خلاله عملية احاطة بالهوية الأوروبية ما بعد الحرب، وتتبع تصدّعاتها التاريخية والسياسية والثقافية. وما يمنح الفيلم بُعده الأعمق لا يقتصر على موضوعه فحسب، وإنما يتجلّى أيضاً في الطريقة التي يعيد عبرها تأمّل التاريخ من خلال نظرة معاصرة.

 

ساندرا هولر تؤدّي إيريكا مان.

 

سيارة تشقّ طريقها على وقع موسيقى الأرغن، عابرةً مدينة تبدو كأنها خارجة من إحدى الصور التي التقطها روبرت كابا لألمانيا ما بعد الحرب. صوت الدراجة النارية التي تلوح من خلف زجاج السيارة لا يكاد يُسمَع. بهذه البساطة المذهلة، وبهذا الاقتصاد البصري النادر، يقدّم لنا بافليكوفسكي بلداً ينهض ببطء من تحت خراب طويل.

مع "أرض الأجداد"، يثبت بافليكوفسكي، للمرة الثالثة على التوالي، أنه واحد من كبار السينمائيين المعاصرين. في ساعة وربع ساعة فقط، يقول الفيلم كلّ شيء، بل يقول أكثر ممّا تقوله أفلام كثيرة تدور حول نفسها لثلاث ساعات. يتحدّث عن الحرب وما بعدها، عن الثقافة والعائلة، عن أوروبا الأمس واليوم، عن السلطة الرمزية للأب التي قد تسحق طموح الابن، وعن اللحظة التي ينبغي فيها للإنسان أن يعرف كيف يتوقّف عن المجاملة.

لا ينبغي التعويل كثيراً على الفيلم لولوج الأعماق النفسية لشخصياته، ذلك انها، حتى في مواجهة الموت، لا تذرف دمعة. غير أن الفيلم، في المقابل، يمتلك قدرة مذهلة على تحديد العلاقات والانفعالات بأقصى درجات التكثيف، كأننا أمام لوحة تشكيلية لا تحتاج سوى إلى ضربات قليلة كي تكتمل. ففي أقل من دقيقتين مثلاً، نفهم طبيعة العلاقة بين توماس مان وابنته إيريكا.

تلك هي السينما العظيمة التي أصبح بافليكوفسكي أحد أساتذتها في السنوات الأخيرة: سينما تكبت المَشاعر كي تنفجر داخل المتفرج نفسه، وتأخذ من الأشياء خلاصتها ثم تبني عليها. صورٌ ستبقى طويلاً بعد أن تتبدّد صور كثيرة أخرى من الذاكرة. نعم، نحن أمام فيلم مشغول بما يبقى، تماماً كما تُعرَّف الثقافة أحياناً بأنها: "كل ما نتذكّره بعد أن ننسى كلّ شيء“.

 

علاقة معقّدة بين العائلة والوطن والعالم.

 

يقارب توماس مان ألمانيا الجديدة كمعضلة أخلاقية وحضارية غير مسبوقة. تلك البلاد التي ستتحوّل، في العقود اللاحقة، إلى واحدة من أعظم القوى الاقتصادية في العالم، لكنها تظل، في نظره، محكومة بشيء من العدمية والارتياب بالطبيعة البشرية. لذلك لا يكفّ عن استحضار إيمانويل كانط وقوله الشهير: "الخشب الذي صُنِع منه الإنسان معقود إلى درجة يستحيل معها نحت عوارض مستقيمة منه". بافليكوفسكي يبدو مأخوذاً بالهاجس ذاته.

هكذا يصبح "أرض الأجداد" في عمقه فيلماً عن الترميم: ترميم الذات كما ترميم البلاد. أب يواجه ابنه وابنته، وعائلة تواجه وطناً، ووطن يواجه أفقاً جديداً ينفتح أمامه على أنقاض الخراب. لكن الفيلم لا يقدّم هذه اللحظة باعتبارها مصالحة، ولكن كسلسلة من الأسئلة القلقة والعلاقات المكلومة بين البشر والأشياء. هذا كله يتصاعد تدريجاً، بلمسات هادئة، إلى أن يبلغ ذروته في لقطة أخيرة تكاد تختصر الفيلم بأكمله: يدٌ تبحث عن طريقها وسط العتمة، كأنها تتحسّس، للمرة الأولى، إمكان الخروج من ظلام القرن العشرين.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية