كانت حرباً لا لزوم لها

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

عملياً، انتهت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران عندما بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوجه الإنذارات ويحدّد مهلاً ثم يمدّدها مرة تلو الأخرى. كان واضحاً أنه يبحث عن حلّ في  ضوء وقائع ميدانية لم تكن كما أراد قبل الدخول في حرب طالت أكثر مما توقع. 

انتظار الوساطة
أنهكت الحرب جميع أطرافها: أميركا وإسرائيل وإيران (من ضمنهم حزب الله وفصائل عراقية لم تشارك بفاعلية)، وبالطبع لبنان. كذلك أنهكت الاقتصاد العالمي المتعب أصلاً بعد أزمة كورونا، والحرب الروسية - الأوكرانية، وموجة الرسوم الجمركية الأميركية على كل دول العالم، أصدقاء ومنافسين. كان الأميركيون والإيرانيون ينتظرون وسيطاً مقبولاً، فبرز الباكستاني أو أُبرز، وأعطي الوقت اللازم لجولاته المكوكية المدعومة بمساهمات خليجية وإسلامية أوصلت في النهاية ترامب والقيادة الإيرانية إلى التفاهم الموقع.
التفاهم الأميركي/ الإيراني بتفاصيله المعلنة (وغير المعلنة)، والظروف التي رافقته، يعني بكلّ بساطة أن هذه الحرب ما كان لها من لزوم. فلا هي حققت نصراً لفريق، ولا غيّرت من الواقع بما يمكن أن يوازي حجم القوى التي شاركت فيها ولا الكلفة التي دفعها أطرافها والعالم كله. لا أميركا ربحت ولا إيران ولا إسرائيل. لقد عادت الأمور تقريباً إلى ما كانت عليه. فهل كان ترامب   يريد احتواء إيران لا هزيمتها وإبقاءها ورقة ضغط وابتزاز ؟.
طبيعي أن تنتهي أيّ حرب باتفاقات، عندما تكون هناك غلبة لطرف يفرض شروطه ويخضع الخاسر؛ وعندما لا تكون هناك غلبة حاسمة لطرف، فلا بدّ من الوساطة والتفاوض؛ وهذا ما حصل في هذه الحرب التي اعتقدت أميركا وإسرائيل عند إعلانها أنها مسألة أيام ويسقط النظام الإيراني بمقتل المرشد علي خامنئي ومعظم القيادة العسكرية والسياسية والأمنية وضرب المنشآت النووية والعسكرية.  
لماذا خاض ترامب هذه الحرب ولماذا أوقفها؟ وهل خضع لتأثير رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واللوبي الصهيوني في إدارته؟ وهل لشخصيته التي حكي وكتب الكثير عن اضطرابها وللدعم الإنجيلي اليميني له - رغم علاقته الملتبسة بالدين - دور في قراراته؟ أسئلة وغيرها الكثير يطرحها مسار الحرب التي ينتظر العالم خواتيمها خلال الستين يوماً المقبلة. لكن الواضح أنه أدرك أخيراً أن لا طائل من حرب تحوّلت إلى حرب استنزاف لكلّ أطرافها، وليست حرب حسم.
لا يجد ترامب حرجاً في الانعطاف يميناً أو يساراً، فهذه من سماته الشخصية والسياسية. خطاب لا يستقرّ على رأي ثابت، وآلة إعلامية قادرة على الضخّ المباشر في كل الأوقات، وتبريرات ليس مهماً أن تكون منطقية بل أن تكون قادرة على الوصول. ببراغماتية مهّد لها بتصريحات وتغريدات، قرّر ترامب وقف الحرب على إيران والدخول في مفاوضات عبر الوسيط الباكستاني جار إيران، والذي تربطه تقليدياً علاقات جيدة، وأحيانا ملتبسة، بالولايات المتحدة، ولا سيما الجيش الذي لعب قائده عاصم منير دوراً محورياً في الوساطة.


تحريضات نتنياهو

كان ترامب قد أصغى إلى تحريضات نتنياهو على إيران، وحثه على التخلّص من نظامها ومن برنامجها النووي برمته، وكذلك من برنامجها الصاروخي الذي أثبتت الحرب أنه يشكّل تهديداً حقيقياً لأمن إسرائيل وللجوار العربي كلّه؛ وهو إن كان استطاع أن يجبر إيران على عدم إنتاج سلاح نووي، فإنه لم يستطع إنهاء برنامجها الصاروخي المتطور. لكن ترامب النزق المتعالي لم تقبل نرجسيته أن يبقى أسير المتطلبات الإسرائيلية التي لا تنتهي ولا "صديقاً" لا يرد طلباً لنتنياهو الطمّاع، الذي لا يشبع، والذي يريد استنزاف الدعم الأميركي، ولو اقتضى الأمر تدمير حلفاء أميركا وهدم لبنان كلّه. 
أعلن ترامب بداية أنه يريد تدمير إيران وتغيير نظامها والقضاء على برنامجيها النووي والصاروخي، في سياق نهجه الساعي إلى محاصرة الصين وروسيا وتقطيع أوصال طريق الحرير، لكنه تواضع أخيراً، واكتفى بما أنزلته آلته العسكرية من أضرار هائلة في البنى التحتية الإيرانية المدنية والاقتصادية التي لن تنهض منها قبل سنين قد تكون طويلة. منذ الإعلان عن التفاهم، بدأ ترامب وآلته الدعائية يركزان على إنجاز وحيد: لن تملك إيران سلاحاً نووياً. معظم بنود الاتفاق هي التزامات أميركية مقابل التزامين إيرانيين: فتح مضيق هرمز (وهو أصلا قبل الحرب كان مفتوحاً ومجانياً)، وعدم إنتاج سلاح نووي.  
هكذا انتهت الحرب الكبيرة بإنجاز كان يمكن تحقيقه بالمفاوضات لو تواضعت إيران قليلاً وقابلها ترامب بتواضع مماثل، ولم يصعد البخار إلى رأس نتنياهو، الذي اعتقد أن الفرصة سانحة لتحقيق حلم إسرائيل الكبرى. أما لبنان فلم يكن إلّا ضحية.



 
 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية