قطار المساحات الإنكليزي... واقعية شرسة تدهس خصوم المونديال
بعض المنتخبات يجد هويته في السيطرة على الكرة، وأخرى تعتمد على المهارات الفردية لصناعة الفارق، أما إنكلترا الحالية فتحتاج إلى شيء واحد فقط: المساحات الخالية.
فكلما اتسعت المساحات أمامها، ازداد المنتخب الإنكليزي خطورة، بفضل امتلاكه مزيجاً من اللاعبين القادرين على حمل الكرة مسافات طويلة، وآخرين يملكون القدرة على اكتشاف التمريرة المناسبة في اللحظة المناسبة، ليصبح "الأسود الثلاثة" أشبه بقطار سريع لا يتوقف كثيراً عند التفاصيل، بل يركز على الوصول إلى مرمى المنافس بأقصر الطرق.
ولسنوات طوال، تعرض هذا المنتخب لانتقادات بسبب بطء إيقاعه الهجومي واعتماده المبالغ فيه على الاستحواذ، لكن النسخة الحالية تبدو مختلفة تماماً، بعدما أصبحت الأولوية لاستغلال المساحات والانقضاض على الخصم فور استعادة الكرة.
ويعود ذلك إلى طبيعة اللاعبين الموجودين في التشكيلة الحالية، إذ يملك جود بيلينغهام ونوني مادويكي وأنتوني جوردون وديكلان رايس القدرة على حمل الكرة وكسر الخطوط بالسرعة والقوة البدنية، بينما يتولى هاري كين وإيليوت أندرسون وريس جيمس مهمة اكتشاف التمريرة المناسبة في التوقيت المناسب.
وهنا تظهر قوة منتخب إنكلترا، فبمجرد استعادة الكرة لا يحتاج إلى سلسلة طويلة من التمريرات، بل تكفيه كرة واحدة لاختراق الخطوط الدفاعية، قبل انطلاق لاعبيه نحو المساحات الخالية بطريقة يصعب إيقافها.
وكانت مواجهة كرواتيا خير دليل على ذلك، فكلما تقدم المنافس وترك المساحات، عاقبه المنتخب الإنكليزي بسرعة، ولم تعكس الأهداف الأربعة سوى جزء من حجم الخطورة التي صنعها.

وتبدو قيمة هذا الأسلوب أكبر في كأس العالم، حيث تنجح التحولات السريعة غالباً أكثر من المنظومات المعقدة التي تحتاج إلى وقت أطول للتنفيذ.
لكن قوة إنكلترا لا تقتصر على التحولات الهجومية فحسب، بل تمتد إلى قدرتها على وضع المنافس في مأزق تكتيكي مستمر، فالتقدم للأمام يعني منح "الأسود الثلاثة" المساحات التي يعشقون استغلالها، بينما يؤدي التراجع إلى مواجهة خطر الكرات الثابتة والتفوق البدني الإنكليزي داخل منطقة الجزاء.
وبذلك يجد أي خصم نفسه أمام معادلة معقدة؛ فلا الضغط يبدو آمناً، ولا التكتل الدفاعي يوفر الحماية الكاملة، وهو ما يمنح المنتخب الإنكليزي أكثر من طريق لإيذاء منافسيه، ويجعل إيقافه مهمة أكثر صعوبة.
وربما لهذا السبب تبدو إنكلترا من أكثر منتخبات البطولة إزعاجاً، فالأمر لا يتعلق بالأسماء فقط، بل بمنظومة واضحة تمتلك الأدوات المناسبة لتنفيذ أفكارها.
وقد لا يكون المنتخب الإنكليزي الأكثر إمتاعاً، لكنه يملك ما هو أهم في كأس العالم: الوضوح، فكل لاعب يعرف دوره، وكل مساحة خلف دفاع المنافس تبدو فرصة للاستغلال، ولهذا يواصل قطار "الأسود الثلاثة" التقدم بثقة، بينما يزداد عدد المنتخبات التي تفضّل الابتعاد عن سكته.
