قتل كلاب ضالة بالشوارع يهز تنغير

لم تكن تنغير معتادة على هذا المشهد، في وضح النهار، وبين دكاكين المدينة وساحاتها الهادئة، دوت طلقات نارية لم تستهدف مجرما ولا خطرا داهما، وإنما استهدفت كلابا في الأزقة؛ هي مشاهد من مقاطع فيديو انتشرت كالنار في الهشيم على مواقع التواصل، توثق لحظة قتل كلاب ضالة بالرصاص أمام أعين المارة وأطفال صغار وسياح.

هذه المقاطع المصورة لم تترك مجالا للشك، كلاب تتهاوى على قارعة الطريق، دماء على الإسفلت، وصراخ يختلط مع دوي الرصاص. الأدهى أن العملية تمت في قلب المدينة وفي الشارع العام، حيث يلعب الأطفال ويمر كبار السن ويتسوق الناس. لم يكن هناك تحذير، ولا شريط أمني، ولا أي اعتبار لحرمة المكان العام.

موجة غضب عارمة اجتاحت المدينة خلال ساعات الماضية، التعليقات غصت بالاستنكار، والصور والفيديوهات تداولها الناشطون بقلوب موجوعة. “أطفالنا شاهدوا الموت بأعينهم”، يقول أحد الآباء في تعليق مؤثر، مردفا: “كيف أشرح لابنتي ذات السنوات الست لماذا يقتلون الكلاب في ساحة عمومية؟”، ومشيرا إلى أن كل الخوف هو من الرسالة التي وصلت إلى عقول الصغار، وهي أن العنف حل، وأن الدم مشهد عادي، بحسبه.

الجمعيات الحقوقية وجمعيات الرفق بالحيوان أدانت بشدة ما وصفتها بـ”مجزرة علنية”، في “تدويناتها” على مواقع التواصل الاجتماعي، وطالبت بفتح تحقيق عاجل وشفاف، ومحاسبة كل من أمر ونفذ هذه العملية بهذه الطريقة. “حتى لو كان الهدف الحد من الكلاب الضالة فهناك طرق إنسانية وقانونية، أما القتل بالرصاص في الشارع فهو جريمة أخلاقية قبل أن يكون مخالفة إدارية”، تورد إحدى الجمعيات.

حسن بعبيد، فاعل حقوقي بمدينة تنغير، قال إن “المفارقة المؤلمة هي أن هذا يحدث بينما كان من المفترض أن تسلك المدينة طريقا آخر، فقد أشرت مصالح وزارة الداخلية، خلال شهر مارس الماضي، على اتفاقية شراكة متعددة الأطراف تروم إحداث وتجهيز مركز متخصص لجمع وإيواء الحيوانات الضالة بإقليم تنغير، وذلك بكلفة إجمالية تبلغ 10 ملايين درهم، مقسمة بين أشغال البناء والتجهيز”، مضيفا أن “المشروع كان يفترض أن يكون الحل الإنساني والمؤسساتي، لكن مشاهد القتل في الشارع أعادت كل شيء إلى نقطة الصفر وطرحت سؤالا موجعا: لماذا الرصاص قبل المركز؟”.

وواصل الحقوقي ذاته في تصريح خاص لهسبريس: “سكان المدينة لم ينكروا وجود مشكلة الكلاب الضالة، عضات هنا وحوادث هناك، وقلق الأمهات على أبنائهن أمر واقعي، لكنهم يؤكدون أن الحل لا يكون بتحويل المدينة إلى ساحة إعدام”، وزاد: “كنا ننتظر حملة تلقيح وتعقيم، ملاجئ، توعية. لم نتوقع رصاصا في وضح النهار”.

السلطات المختصة بالمدينة لم تصدر بعد بيانا رسميا مفصلا يوضح ملابسات العملية ومن أعطى الأمر ووفق أي قانون تمت. هذا الصمت زاد من حدة الغضب، فيما يطالب مواطنون بإرسال لجنة مركزية للتحقيق في الموضوع وترتيب الآثار القانونية لهذه العملية.

نشطاء من تنغير أطلقوا وسم #تنغير_ضد_العنف، مطالبين بتحقيق مستقل، كما يقولون إن المدينة التي تشتهر بالسياحة والضيافة وبجمال طبيعتها لا تستحق أن تتصدر الأخبار بهذه الصورة السوداء، موضحين أن “صورة تنغير يجب أن تكون عن مضايق تودغى والسياحة والتاريخ والصناعة التقليدية وليس عن الدم في الشارع”.

أمينة أيت علي، من ساكنة مركز مدينة تنغير، قالت إن “تنغير اليوم ليست غاضبة فقط، بل مجروحة، مجروحة في إنسانيتها وفي صورتها وفي براءة أطفالها”، مضيفة أن “مطلب الناس بسيط جدا، وهو تحقيق نزيه، ومحاسبة وتفعيل عاجل لاتفاقية المركز التي وقعت قبل أشهر، لأن المدينة التي تريد أن تستقبل العالم بابتسامة لا يمكن أن تبدأ يومها برصاصة”، وفق تعبيرها.

وتعد الجماعات الترابية، وفق ما هو منصوص عليه في المادة 100 من قانونها التنظيمي، الجهة المسؤولة عن “اتخاذ التدابير الضرورية لتفادي شرود البهائم المؤذية والمضرة، والقيام بمراقبة الحيوانات الأليفة، وجمع الكلاب الضالة ومكافحة داء السعار، وكل مرض آخر يهدد الحيوانات الأليفة طبقا للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل”.

وفي تصريح هاتفي لمسؤول بجماعة تنغير قال إن ما يجري ليس “إبادة عشوائية”، وإنما تدخل استثنائي مرتبط بحالات محددة.

وأوضح المسؤول ذاته أن الإحصائيات الرسمية للمصالح الصحية تسجل ما يفوق 450 حالة عض سنويا من طرف كلاب ضالة بالمدينة، وهو رقم يفرض على الجماعة التعامل مع الموضوع بجدية كبيرة حفاظا على سلامة المواطنين، خاصة الأطفال وكبار السن.

وأكد المتحدث نفسه، في تصريح لهسبريس، أن “عملية القتل بالرصاص لا تشمل جميع الكلاب الضالة، وإنما تستهدف فقط الكلاب المسعورة أو الشرسة التي يصعب ضبطها وتلقيحها”، مضيفا أن “الفرق الميدانية لا تلجأ إلى هذا الخيار إلا بعد استنفاد المحاولات الأخرى”.

وشدد المصدر عينه على أن “سجل المستفيدين من الأدوية والأمصال الخاصة بعضات الكلاب كاف لوحده لمعرفة حجم الخطورة”، وزاد: “نحن أمام معادلة صعبة، بين حق المواطن في الأمان وحق الحيوان في المعاملة الإنسانية، والجماعة ملتزمة بتفعيل اتفاقية إحداث مركز الإيواء، ولكن إلى حين جاهزيته نضطر للتعامل مع الحالات المستعجلة التي تشكل تهديدا مباشرا ولا يمكن القبض عليها قصد تعقيمها أو تلقيحها”.

The post قتل كلاب ضالة بالشوارع يهز تنغير appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress